رئيس مجلس الإدارة
شريف عبد الغني
رئيس التحرير
ناصر أبو طاحون
رئيس التحرير التنفيذى
محمد عز
  1. الرئيسية
  2. وجهات نظر

الشيخ أبو بكر الجندي يكتب: الراحة مضرة بالصحة (2)

 من النماذج المعاصرة الرائعة التي لا تعرف الراحة ولا الكسل طبيبُ الغلابة الدكتور محمد مشالي، والذي قالت عنه زوجته إنه قد أحب عمله حباً عظيماً حتى إنه لم يتغيب عن عمله يوماً واحداً لا في الأعياد ولا المناسبات والأجازات، ولم يمنعه من الذهاب لعمله إلا الموت، حتى في يوم مماته كان متهيئاً للذهاب إلى عمله، ولكن أدركته الوفاة قبل الذهاب إلى شغله. 
ولقد عظم القرآن الكريم شأن العمل حتى من الحيوانات، فسُميت سورة في القرآن بـ(سورة النحل)، وذلك بسبب جِدها واجتهادها حتى إنه ليضرب بها المَثل في النشاط والحيوية، ومن القوانين الصارمة في دولة النحل: إعدام النحلة البطالة التي لا تعمل؛ حتى لا تنتقل عدوى الكسل لباقي الخلية، وكانت نتيجة عملها وثمرة كدها شراب العسل الذي قال الله تعالى فيه: {يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ}[النحل: 69].
وقد حث النبي صلى الله عليه وسلم على العمل دون تقاعد حتى الموت، فقال: "إن قامت الساعة، وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها"، والفسيلة هي النخلة الصغيرة، فلا يفتر الإنسان ولا يمل من العمل حتى في الرمق الأخير من الدنيا، أما من أراد التقاعد المبكر أو تسوية المعاش طلباً للراحة، فلا رحة في الدنيا، فقد قال الله تعالى: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ}[البلد: 4]، أي في وسط الكد والتعب الدنيوي حتى يصل للراحة في الآخرة.
ولقد سنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قانوناً للتشجيع على العمل، فقال: "من أحيا أرضا ميتا فهي له" وذلك لإحياء الصحراء واستخراج كنوزها، ففرح الصحابة بذلك، وخرجوا يتسابقون في تخطيط أرض الموات ومعرفة حدودها؛ لإحيائها.
وتشجيع أُخروي آخر على العمل، فيقول صلى الله عليه وسلم: "ما من مسلم يغرس غرسا إلا كان ما أكل منه له صدقة، وما سرق منه له صدقة، وما أكل السبع منه فهو له صدقة، وما أكلت الطير فهو له صدقة، ولا ينقصه أحد إلا كان له صدقة"، فلكل عمل فائدته، فلا يستقل عامل بعمله أو مهنته، حتى ولو كان عامل نظافة.
ولما رأى النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً من أهل الزرع والبادية فقال له: إن رجلا من أهل الجنة استأذن ربه في الزرع، فقال له: ألست فيما شئت من النعيم؟ فقال: بلى، ولكني أحب أن أزرع، فأذن الله تعالى له في ذلك، فبذر، فبادر الطرف نباته واستواؤه واستحصاده، فكان أمثال الجبال"، وفي هذا بيان نبوي لفضل العمل وشرف مهنة الزراعة؛ تشجيعاً للمداومة عليها.
ويكفي العمل شرفاً ومكانة أنه ما من نبي الأنبياء إلا وله عمل ومهنة، فداود عليه السلام كان يعمل حدادا، وإدريس كان يعمل خياطاً، وزكريا كان يعمل نجاراً، وموسى كان يعمل أجيراً، والنبي صلى الله عليه وسلم رعى الغنم على قراريط لأهل مكة.
 فلا تمل أيها الإنسان من العمل ولا تستجيب لداعي النفس، فإنها بطبيعتها تميل دوماً للخمول والكسل كحال الماء الذي يطلب دوماً السفل من الأرض، وهذا مُضر غاية الضرر بالصحة النفسية والجسدية، واحذر أن تكون عاطلاً، فلفظة (عاطل) في اللغة تطلق على: المرأة التي لا تلبس ذهباً، والرجل الذي لا يعمل، فإذا كان الذهب جمالاً للنساء فإن العمل جمال للرجال.