رئيس مجلس الإدارة
شريف عبد الغني
رئيس التحرير
ناصر أبو طاحون
رئيس التحرير التنفيذى
محمد عز
الأخبار العاجلة :
  1. الرئيسية
  2. وجهات نظر

الشيخ أبو بكر الجندي يكتب عن: خطر الديون

الدَّين هَمٌّ وغَمٌّ بالليل حينما يقتل التفكيرُ المَدِين كيف يقضي دَيْنه؟ كيف يؤدي ما عليه؟ وأسئلة محرجة للنفس تمنعها من النوم والراحة، وأيضاً مذلة بالنهار عندما يلقاه الدائن فيطالبه بدَينه أو ينظر إليه نظرة صغار أو مِنَّةٍ، ربما تذبح الرجلَ الحُرَّ، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يستعيذ بالله كثيراً من المأثَمِ والْمَغْرَمِ، فسئل عن ذلك، فقال: إن الرجل إذا غَرِمَ حدَّث فكذب، ووعد فأخلف"، فالدين يجلب الحالة النفسية السيئة والأخلاق الرديئة، ويعلمنا صلى الله عليه وسلم أيضاً الاستعاذة بالله دوماً من غلبة الدَّين، وقهر الرجال.
وعن خطر الديون في الآخرة يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "يُغفَر للشهيد كل ذنب إلا الدَّين"، وقال صلى الله عليه وسلم أيضاً: "نفس المؤمن مُعلَّقة حتى يُقضى عنه دَينه"، ولما قضى أهل ميت الدَّين عن ميتهم قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: الآن برَدَتْ عليه جلده"، فالديون هموم في الدنيا والآخرة.
ولهذا كانت الاستدانة عند الأحرار لا تكون إلا عند الضرورة القصوى، ولا يتم له أمره إلا بالاستدانة، حتى يتسير أمره، وهو مع قدرته على السداد في غاية الحرج والحياء من سؤال الناس بعض أموالهم، ومن كان هذا حاله فهو معان من الله على سداد دَينه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من أخذ أموال الناس يريد أداءَها أدى الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله". 
وفي أطول آية قرآنية تتحدث آية المداينة عن الدين ترغيباً وترهيباً وتوثيقا للدَّين بالكتابة أو الشهادة أو الرهن، كما تحث على تخفيف الضغط النفسي عن المتعسرين وإمهال الجادين في السداد، حتى تتيسر لهم الأمور، فقال تعالى: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ}[البقرة: 280]، وفي الحديث: "مَن نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا، نفس الله عنه كربة من كُرَب يوم القيامة، ومن يَسَّرَ على معسر، يسر الله عليه في الدنيا والآخرة"، وفي الحديث أيضاً: "مَنْ أَنْظَر مُعْسِرًا أو وَضَع عنه، أَظَلَّه الله في ظلِّه، يوم لا ظِلَّ إلا ظِلّه"، كما حذَّرنا الشرع الحنيف من أساليب الخسة والدناءة واستغلال حال المَدِين، وتحميله هَمًّا فوق هَمِّ دَينه. 
أما غير الصادق الذي يتحايل على أموال الناس بالدَّين أو يؤخر حق الورثة بلا داعٍ، أو كان غنيًّا قادرًا على الوفاء، ولكنه جاحد أو مماطل، فللدائن الحق في مطالبته وحبسه ودفعه ظلمه بالقانون، كما قال صلى الله عليه وسلم: "لَيُّ الْوَاجِدِ يُحِلُّ عِرْضَهُ وعُقُوبَتَه"، والله تعالى وراءه بالمرصاد ولا مسامحة للمخادعين الآكلين لأموال الناس بالباطل. 
بل الواجب على المَدِين أن يشكر الدائن أن أعطاه من ماله وصبر عليه ويسر له، قال جابر بن عبد الله: أتيت النبي عليه الصلاة والسلام: "وكان لي عليه دينار؛ فقضاني، وزادني", وهذا من باب الشكر؛ لأنه لا يشكر الله من لم يشكر الناس. 
وأخيراً المؤمن الصادق دائماً يخاف من الدَّين ومن تبعاته في الدنيا والآخرة، ولا يقترض إلا إذا اضطر لذلك، وبقدر الحاجة، وبقدر ما يستطيع الوفاءَ، مع العزم على الوفاء في الأجل المحدد للسداد.