حدث حريق عظيم في إحدى القرى الريفية بسبب انفجار أربع أسطوانات غاز، واتبع هذا الانفجار خراب ودمار كبير، ومع هذا لا يستغني أهل القرية عن هذه النار التي جعلها الله تعالى نعمة وتذكرة ومتاعاً للمقوين, وكذلك حال الناس أجمعين، ولكننا نريد نارًا نتحكم فيها لا تتحكم هي فينا، وكذلك الشهوة هي نار في النفوس البشرية، هذه النار إلم يتحكم فيها الناس خاصةً الشباب تحكمت هي فيهم واستولت عليهم وعلى عقولهم، وإذا زادت عن حدها طغت و بغت وأحرقت ما حولها، وساقت الى الفسق والفجور، وإذا عُدمت أدت إلى العجز والفتور، وإذا توسطت وانضبطت أدت الى العفة والقناعة والطهور.
وإذا أطلق الإنسان لنفسه العنان في الشهوة الحرام أضاع إنسانيته وأهدر كرامته، واستجلب لنفسه الهموم والغموم، ما بين سجن أو قتل أو ضياع للعقل أو للمال، مع تخوفٍ شديدٍ من الفضيحة، وقلق من انكشاف ستر الله تعالى ما لا يبقي معه متنفس للاستمتاع بالشهوة المحرمة.
فَكَمْ أَسِيرٍ لِشَهْوَةٍ وقتيل … أُفٍّ للمشتهى خلاف الجيمل
شَهَوَاتُ الإِنْسَانِ تُورِثُهُ الذُّلَّ … وَتُلْقِيهِ فِي الْبَلاءِ الطَّوِيلِ
ولا عجب أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعوا ويقول: "اللهم ألهمني رشدي وقني شر نفسي "، ويتضرع يوسف عليه السلام ويقول: {وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ}[يوسف: 33]، أي أصير كالصبيان أو الجاهلين الذين لا عقول لهم، بسبب غشاوة الشهوة التي تغطي العقل والقلب.
وَكُلُّ امْرِئٍ يَدْرِي مَوَاقِعَ رُشْدِهِ … وَلَكِنَّهُ أَعْمَى أَسِيرُ هَوَاهُ
يُشِيرُ عَلَيْهِ النَّاصِحُونَ بِجُهْدِهِمْ … فَيَأْبَى قَبُولَ النُّصْحِ وَهُوَ يَرَاهُ
ومن يتأمل النهي عن الشهوات المحرمات يجد أنها تأتي في القرآن الكريم بصيغة عدم القربان، {وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا}[الإسراء: 32]، {وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ}[الأنعام: 151]، لأن ترك مقدمات الحرام أيسر من ترك الحرام، ومن اقترب من الحراب ـ من النظرة والحديث والكلام ـ يوشك أن يقع فيه، وإذا كان الإنسان بفطرته يَنْتَفِضُ من الحرام إذا أصاب أهله وشرفه، فكذلك العفيف لا يُعكر شرف الناس ويصون عرضهم.
ومن الحلول الفطرية لتهذيب الغريزة أن يبحث الإنسان عن الشهوة الحلال؛ ليشغل نفسه عن الحرام، قال صلى الله عليه وسلم: "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فانه له وجاء"؛ لأن الصيام يضيق مجاري الشيطان في جسد الإنسان فيترك الصائم ما تهواه نفسه لله تعالى، ويهذب شهوته ويضبط غريزته.
وفي الصبر والتصبر عن الحرام يقول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "ومن يتصبر يصبره الله، ومن يستعفف يعفه الله، وما رزق العبد رزقا أوسع له من الصبر"، فشهوة الإنسان تحتاج إلى صبر ومصابرة وحِكمة وسياسة للاستمتاع بالحلال والابتعاد عن الحرام.
صَبَرْتُ عَلَى الْأَيَّامِ حَتَّى تَوَلَّتْ … وَأَلْزَمْتُ نَفْسِي صَبْرَهَا فَاسْتَمَرَّتْ
وَمَا النَّفْسُ إلَّا حَيْثُ يَجْعَلُهَا الْفَتَى … فَإِنْ طَمِعَتْ تَاقَتْ وَإِلَّا تَسَلَّتْ
وفي مدح أهل العفة والطهارة الصابرين عن الحرام يقول تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (3) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (4) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ} [المؤمنون: 1 - 6]، وزيادة الإيمان كمًا وكيفًا من أهم العوامل التي تساعد على الابتعاد عن الحرام.