يتجلى في خطاب القرآن عن المرأة الرَّحمة الربانية والرِّعاية الإلهيَّة في أبهى صورها؛ فقد رَفَعَ عنها أحمال الحزن وأثقاله، لا لطبيعتها الضعيفة فحسب، بل لأنه لا يليقُ بمقامها الجليل ورسالتها السَّامية.
فَتُركز الآيات القرآنية على ألا تحزن المرأة؛ لأن حزنها عميق ومشاعرها رقيقة لا تتحمل، والحزن يفقدها جمالها ويوهن قوتها، وعلميًا الحزن يؤثر علي الغدد المفرزة للهرمونات الأنثوية، فكم حزينة لم تنجب! وكم حزينة تساقط شعرها! وكم حزينة شحب لونها وضاع جمالها وتعب جسدها!وكم حزينة ماتت مكلومة بحزنها وألمها! وكم وكم...
ومن هذه الآيات القرآنية:
ـ في قصة السَّيدة مريم عليها السَّلام، يتجلى أسمى معاني الرَّحمة الإلهية في قوله تعالى: {فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا}[مريم: 24]، فموقف مريم التي تمنت فيه الموت كان يتطلَّبُ تسليةً سماوية تنتشلها من وحشةِ الحال إلى سكينةِ المقام.
ـ وفي قصة موسى عليه السلام يقول الله تعالى: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي}[القصص: 7]، فأم موسى هي أمٌّ، يعتريها ما يعتري مثيلاتها من الخوف، والجزع، ثم وعدها الإله بردِّ ابنها إلى أحضانها، وفي يده جائزة الرسالة والنبوة، فقال جلَّ مجده: {إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ}[القصص:7]؛ ليسكنَ قلبها، وتهدأ روحها، وتفرحَ ببشارةِ الإلهِ لولدها؛ تخـفيفًا عنها، ورأفة بها، ورحمةً بحالها.
ـ قوله تعالى لأمهات المؤمنين: {ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ}[الأحزاب: 51]، فجمعَ القرآن لنساءَ بيتِ النُّبوة بينَ قرارِ العين، وزوال الحزن، وكمال الرِّضا، وهذا ما يليقُ بمكانتهنَّ! ولو انضم إلى كلِّ ذلكَ فعالُ النَّبيِّ الأكرم ﷺ، وتعامله معهنَّ، وبيانه الذي يشيدُ بربطِ المكارم بمقامِ الرَّجلِ من أهله؛ أدركتَ أنَّ تحزين المرأة والإساءة إليها؛ رذيلة زائدة علىٰ العصيانِ والخطأ، ومن ذلك كان صلى الله عليه وسلم يراعي مشاعر الأم، ويخفف في الصلاة حين يسمع بكاء الصبي؛ كراهية أن يشق على أمه.
ـ ويستمع رب العالمين وأرحم الراحمين إلى شكوى المجدالة التي تعرض شكواها على الله، فقال العظيم الرَّحيم العليم، {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} [المجادلة: 1]، فسمِعَ الله شكواها، وأنصفها، وأنزلَ ما يفرِّجُ عنها، ويزيلُ همَّها، ويقطعُ دابرَ حزنها، مع سرعة الاستجابةِ لشكواها، حتى لا يطول حزنها, وتذهب خواطرها كلَّ مذهب، وهذا من اللطفِ الإلهيِّ بها.
ثم جاءت الوصية النبوية: "استوصوا بالنساء خيرًا"، وقال صلى الله عليه وسلم أيضًا: "رفقًا بالقوارير"، فلا تتأفف بكلمة لأمك، ولا تقسو بصوتك علي أختك، ولا تهمل زوجتك، استمع لابنتك وأنصت إليها ولاعبها وداعبها ومازحها ولبي طلبها، وتقرب إلي الله بالإحسان إليهن، فهن سبب في رزقك وسعادتك، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إنما تنصرون وترزقون بضعفائكم"، والشؤم والفقر والضنك ومحق البركة والحرج في الضيق، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إني أحرج عليكم حق الضعيفين: اليتيم والمرأة".
وأخيرًا ليسَ المقصودُ نفي الحزن كليًّا عن حياةِ الإنسان، بل ترشيده وتهذيبه ليكون في سياقهِ الطَّبيعي، بعيدًا عن الإفراطِ الذي يقصم الظهر ويهد الرُّوح، خاصةً المرأة التي أرادَ الله للمرأة أن تعيشَ حياةً مكرمةً مليئةً بالسَّكينة، بعيدة عن أوجاعِ الحزن، لتبقى رمزًا للإلهامِ وصانعة للأبطال، وتظلَّ مرآة تعكسُ نور الحياة، مع أبٍ حنون أو أخٍ عطوف أو زوجٍ صالح أو ابنٍ بارٍ بها يحتويها ولا يؤذيها يسعدها ولا يُشقيها تشتكي إليه لا تشتكي منه.