الأخلاق أقصر طريق إلى الله تعالى, وذلك لسببين:
الأول: منزلة الأخلاق والتي قال فيها النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : "أكمل المؤمنين أيمانا أحسنهم خلقاً", وفي الحديث: "إن من أحبكم إلي وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقاً", وفي الحديث أيضاً: "أثقل شيء في الميزان عند الله حسن الخلق".
الثاني: أن الأخلاق تحفظ الطاعات وتصون الحسنات من الضياع والذهاب للخصوم يوم القيامة؛ لأن الحساب يوم القيامة بين الناس بالحسنات والسيئات؛ ولهذا كانت المهمة النبوية الأولى هي الأخلاق كما في الحديث: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق".
ومن أهم أهداف العبادة هو تحسين الأخلاق وتجويد التعامل مع الناس جميعاً, كما قال تعالى عن الصلاة: {إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ تَنۡهَىٰ عَنِ ٱلۡفَحۡشَآءِ وَٱلۡمُنكَرِ}[العنكبوت: 45], وفي الحج قال تعالى: {ٱلۡحَجُّ أَشۡهُرٞ مَّعۡلُومَٰتٞۚ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ ٱلۡحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي ٱلۡحَجِّ}[البقرة: 197], وفي الصيام قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "إذا كان يوم صوم أحدكم، فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابه أحد أو قاتله، فليقل: "إني صائم".
والصيام دورة أخلاقية مكثفة؛ لأن الصائم في حالة صفاء ونقاء بسبب كسرة الجوع والعطش, فكان للصوم انعكاسات نفسية حميدة تتجلى في رقة المشاعر، ونبل العواطف، والابتعاد عن المشاحنات والسلوك العدواني.
والصيام طاعة, والطاعة تزيد في الإيمان, والإيمان يهذب الأخلاق, ويهدي لمعالى الآداب, والأخلاق بذاتها تحفظ الطاعة والعبادة, وتصون الحسنات؛ لأن الطاعة والعبادة مهما كَثُرت وعظمت إذا لم تهذب الأخلاق فمصيرها النار, فسَيء الخُلق يُضيع حسناتِه وعبادتِه وطاعتِه بسوء خلقه ويأتي يوم القيامة مفلساً, ويأتي يَومَ القيامَةِ بصلاةٍ وصيامٍ وزَكاةٍ، ويأتي وقَدْ شَتَمَ هَذَا، وقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مالَ هَذَا، وسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا، فيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وهَذَا مِنْ حَسناتهِ، فإنْ فَنِيَتْ حَسَناتُه قَبْل أنْ يُقضى مَا عَلَيهِ، أُخِذَ منْ خَطَاياهُم فَطُرِحَتْ عَلَيهِ، ثُمَّ طُرِحَ في النَّارِ", فلا قيمة للعبادة من دون أخلاق العابدين, ولا قيمة للصيام من دون أخلاق الصائمين؛ ولهذا قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه",
فكانت الأخلاق بحق هي أقصر طريق إلى الله تعالى, ومن هذا الطريق المختصر وصل أسامة بن زيد إلى محبة الله ورسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ, رغم أنه كان دميم الخِلقة حتى تخيل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن أسامة جاريةٌ غيرُ مرغوبٍ فيها؛ فبالغ في تزينها؛ ليتنافس عليها الخُطاب, ولكن دمامة زيد لم تمنعه أنْ يكون حِبَّ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم؛ بأخلاقه وكريم شيمه وصفاته.