رئيس جامعة الأزهر الأسبق: مصطلح «الفكر الحداثي» يوحي ضمنًا بأن أصحابه يحتكرون الصواب
عميد كلية الدعوة: أصحاب القراءات الحداثية يعتمدون منهج الانتقائية واقتطاع الآيات من سياقاتها فيُنزلون النصوص على غير مرادها
أمين مساعد للدعوة والإعلام الديني: من أخطر سمات القراءة الحداثية تجريد القرآن الكريم من قداسته
أمين مساعد العليا للدعوة: أصحاب «الفكر الحداثي» يسعون إلى بث أفكارهم لهدم ثوابت الدين
واصل مجمع البحوث الإسلامية فعاليات «الأسبوع الدعوي الثامن عشر»، الذي تنظمه اللجنة العليا لشئون الدعوة بالتعاون مع كليات جامعة الأزهر الشريف، تحت عنوان: «القراءات الحداثية وخطرها على الأمن المجتمعي»، وذلك برعاية كريمة من فضيلة الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، وإشراف فضيلة وكيل الأزهر، أ.د. محمد الضويني، والأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية أ.د. محمد الجندي.
عُقدت الندوة الرابعة بكلية الدعوة الإسلامية بالقاهرة، بعنوان: «ركائز المنهج الأزهري في مجابهة القراءات الحداثية»، بحضور فضيلة الأستاذ الدكتور إبراهيم الهدهد، رئيس جامعة الأزهر الأسبق، وفضيلة الأستاذ الدكتور علي عثمان، عميد كلية الدعوة الإسلامية، وفضيلة الدكتور حسن يحيى، الأمين العام المساعد للجنة العليا لشئون الدعوة، وفضيلة الدكتور محمود الهواري، الأمين المساعد لمجمع البحوث الإسلامية، إلى جانب عدد من أعضاء هيئة التدريس والطلاب.
وفي كلمته، بيَّن فضيلة الأستاذ الدكتور إبراهيم الهدهد أن ما يُسمى بالقراءة الحداثية ليس مجرد اتجاه فكري عابر، بل هو موضوع بالغ الخطورة يمس أصول الفهم ومنهج التلقي، موضحًا أن المصطلح ذاته يوحي ضمنًا بأن أصحابه يحتكرون الصواب، في حين أن قراءاتهم تفتقر إلى المنهجية العلمية المنضبطة؛ إذ نشأت في بيئات مغايرة، وتكونت في ظل أحداث وسياقات تاريخية وفلسفية مختلفة عن بيئة الأمة الإسلامية ومرجعيتها العقدية.
وأشار إلى أن هذه الخلفيات أفرزت حركة متطرفة في تعاملها مع النصوص، سعت إلى رفع القداسة عن الدين عبر ما يُعرف بـ«أنسنة النص»، بما يعني نزع الإطلاق والمرجعية العليا عنه. وهذه الحركة قامت – في جوهرها – على إقصاء الآخر وإسقاطه، حتى انتهت إلى شعار مفاده: لا قداسة ولا سلطة إلا للعقل المجرد، في تجاهل لحقيقة العلاقة المتوازنة بين العقل والوحي في المنظور الإسلامي.
وأوضح رئيس جامعة الأزهر الأسبق أن مصادر المعرفة في التصور الإسلامي قد استقرت على ترتيب واضح: الوحي أولًا باعتباره المصدر المعصوم، ثم الحس باعتباره أداة إدراك الواقع، ثم العقل الذي يعمل في ضوء هداية الوحي، لا في معزل عنه.
فيما شدد فضيلة الأستاذ الدكتور علي عثمان على أن الأمة الإسلامية إنما كانت أمة حضارة وريادة يوم تمسكت بدينها، واستمدت من تعاليمه منظومة القيم التي صنعت توازنها العلمي والإنساني، موضحًا أن التعمق في العلوم الشرعية، والتلقي على أيدي العلماء الراسخين، وفهم المناهج المعتبرة في الاستدلال والتفسير، يمثل حصنًا منيعًا في مواجهة التيارات المنحرفة؛ لأن الوعي هو خط الدفاع الأول أمام أي فكر دخيل.
وأضاف أن كثيرًا من الأفكار الحداثية لا تجد سبيلًا إلى التأثير إلا عند غياب التأصيل وضعف البناء العلمي، أما من تشرب أصول العلم وضوابطه فإنه يمتلك أدوات التمييز بين الاجتهاد المشروع والانحراف المرفوض.
وأكد عميد كلية الدعوة بالقاهرة أن بعض أصحاب هذه القراءات يعتمدون منهج الانتقائية واقتطاع الآيات من سياقاتها، فيُنزلون النصوص على غير مرادها، ويتجاهلون وحدة الموضوع وترابط الدلالات، مما يؤدي إلى فهم مشوه ومبتور. كما أن هذه الأفكار ليست نابعة من البيئة الفكرية الإسلامية، ثم جرى إسقاطها على واقع الأمة دون اعتبار لخصوصيتها العقدية والحضارية. وأوضح ضرورة التمسك باللغة العربية – بما لها من قوانين دقيقة في البيان والدلالة – لأنها المفتاح الأساسي لفهم النصوص الشرعية.
ومن جانبه، أوضح فضيلة الدكتور محمود الهواري أن التعامل مع ما يُسمى بـ«القراءة الحداثية» يقتضي أولًا الإلمام بطبيعة منطلقاتها وخلفياتها الفكرية، حتى لا نقف أمامها بردود أفعال عاطفية، بل برؤية علمية راسخة. واستشهد بحديث جندب بن عبد الله رضي الله عنه قال: «كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ونحن فتيان حزاورة، فتعلمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرآن، ثم تعلمنا القرآن فازددنا به إيمانًا»، موضحًا أن المشهد التربوي في هذا الحديث يكشف منهجًا أصيلًا في بناء الشخصية المسلمة؛ حيث يبدأ التحصين الإيماني أولًا، ثم يأتي التلقي العلمي للنص.
وأشار إلى أن الإشكال المعاصر يتمثل في اقتحام بعض القراءات للنصوص الشرعية دون تأسيس إيماني أو تأصيل منهجي، مع استدعاء معطيات مادية محضة وما يتبعها من أدوات وتقنيات حديثة، مما أحدث تصادمًا في الفهم، وأفرز قراءات تنتمي إلى بيئات ثقافية لا تنسجم مع هوية الأمة الإسلامية ومرجعيتها. لذلك يجب تحصين القلوب قبل مباشرة العلم؛ لأن العقل لا يؤدي وظيفته على الوجه الصحيح إلا إذا استند إلى قلب سليم، فبه يتحقق الفهم الرشيد، وتستقيم الغاية.
كما أوضح الأمين المساعد لمجمع البحوث الإسلامية أن من أخطر سمات القراءة الحداثية تجريد القرآن الكريم من قداسته، والنظر إليه بوصفه نصًا بشريًا خاضعًا للأدوات النقدية التي تُطبَّق على أي نص أدبي أو تاريخي، مما أدى إلى إخضاعه لمناهج تفكيكية وتشريحية أفضت إلى نتائج شاذة، كالدعوى بأن الوحي لم ينقطع، أو أن كل إبداع بشري هو نوع من الوحي، فضلًا عن محاولات الفصل بين القرآن والسنة. وهي دعاوى باطلة تصادم صريح النصوص وإجماع الأمة.
وبيَّن أن هذه المخرجات ليست إلا نتيجة مباشرة لرفع القداسة عن النصوص، وإقصاء المرجعية العلمية المتصلة بسند الأمة عبر القرون، مؤكدًا أن المنهج الأزهري ظل عبر تاريخه حائط صد أمام هذه الانحرافات؛ لأنه منهج مؤصل، ممتد الجذور في علوم الشريعة، قائم على الجمع بين العقل والنقل، ومسنود بسلسلة علمية متصلة لم تأتِ من فراغ، بل تشكلت عبر تراكم علمي راسخ يحفظ الثوابت ويستوعب المستجدات دون تفريط أو إفراط.