القرآن الكريم مع السنة النبويَّة المطهرة هو الروح التي تسري في جسد الأمَّة الإسلاميَّة، وبدون القرآن تموت الأمَّة، ويتعفن جسدها، وتذهب إلى حيث لا رجعة، وقد أدركت الأمَّة هذا المعنى، فبادرت إلى القرآن الكريم منذ لحظة نزوله الأولى من السماء، تتعاهده بالتدوين، والحفظ، وتحوطه بكل أساليب الوقاية، وتنزله منها منزلة الروح من الجسد، امتثالًا لقول ربها (وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا ۚ مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَٰكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا ۚ وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) [ الشورى: 52]
وكما أدركت الأمَّة أنَّ القرآن روحها التي تسري فيها، وأنَّه سر بقائها، وضامن وجودها، ومنارة طريقها، وهادي سبيلها، أدرك أعداؤها أنهم لن يغلبوا هذه الأمَّة إلا بانتزاع القرآن منها، ومذ اللحظة الأولى لنزوله بدأت محاولات التشويه والتجني على القرآن، وقد وصف الله حال أعدائنا وموقفهم من القرآن فقال تعالى:(وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَٰذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ) [ فصلت:26]، ولا زالت جهود الأعداء تتوالى للنيل من القرآن الكريم، تارة بالإساءة إلى تشريعاته، والدعوة لتعطيلها، وتارة بتحريف معانيه، وتفريغها من مضمونها بدعوى القراءة العصريَّة، وتارة بالدعوة لاعتبار القرآن وثيقة تاريخيَّة بدعوى تاريخانيَّة القرآن، وتارة بادعاء أنَّ مصدريَّة القرآن من الكتب السابقة كالإنجيل والتوراة، وتارة بادعاء أن القرآن الكريم من عنديَّات سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكلها افتراءات الغرض منها تشكيك الأمَّة في قرآنها، وعزلها عن صلتها بربها وبنبيها، حتى تصبح أمَّة في مهب الريح، لا منهج عاصم من الزلل، ولا كتاب مرشد إلى الصراط المستقيم، ولا ضابط لحركة الحياة، ومن ثمَّ يعلنون موت الأمَّة الإسلاميَّة، واقتسام ثرواتها، وانتهاب ممتلكاتها، وانتهاك أعراضها.
وفي وسط هذه الحرب التي لا هوادة فيها كان علماء الأمَّة هم فرسان الميدان، وجنود المعركة، يتواصون بحفظ القرآن، ويقدمون أعمارهم فداء لسلامة النص القرآني، وسلامة فهمه، وتتلاحق أجيال العلماء، جيلًا بعد جيل، حتى يصل الأمر إلى الأزهر الشريف، فيجمع في أروقته ومعاهده، وجامعته، وجامعه تراث الأمَّة، ويقف حارسًا أمينًا، صامدًا لأكثر من ألف عام أمام محاولات التزييف، والعبث بالقرآن الكريم، صادًّا لكلِّ من تسول له نفسه الاقتراب من الوحيين، معبرًا عن ضمير الأمَّة، ورسالتها، حاملًا أمانة العلم، وارثًا لأنوار النبوة.
وفي سبيل هذه الغاية الشريفة الكريمة لاقى الأزهر سيلًا من التهم الباطلة، والسهام الغادرة، فاتهم بالتخلف والجمود، واتهم بأنه يفرِّخ إرهابيين، واتهم بأنه ضد التجديد.. وغير ذلك مما يضيق المقام عن ذكره، ولم تكن هذه الحملات الغاشمة لتثني الأزهر عن دوره في الحفاظ على أقدس مقدسات الأمَّة، ولا أن تفت في عضده، بل سار الأزهر في طريقه بخطى ثابته، واثقًا في منهجه، فأنشأ جامعته، ومجمعه، وحافظ على مركزيَّة جامعه في التوجيه والإرشاد، وبيَّن للناس سبيل الحق والرشاد، وواجه موجات التغريب، وحملات الزييف، ومن ورائه قيادة سياسيَّة واعية ورشيدةـ تدرك حجم المؤامرة، وتدعم الأزهر في كلِّ توجهاته، ولسان حالها يردد قول الله تعالى(فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ ۚ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ)[سورة الرعد:17].
وهاهو الأزهر اليوم يزأر دفاعًا عن المصحف الشريف، ويطلق حملته (وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)، حملة تتجاوب معها الأفاق، ويصدع صوتها في الميادين، وتؤيدها أقلام المنصفين، وأصوات التالين، ونبرات القراء، وتلاوات الأطفال في الكتاتيب، والأئمة في المحاريب، والأمهات في البيوت، والجميع يردد بلسان الحال ولسان المقال (إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا)[ الإسراء:9].
فلنحفظ أمتنا بالقرآن، ولنبن نضهتنا وفق معطياته وتوجيهاته، ولنضبط حركة حياتنا وفق تعاليمه وتشريعاته، والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.
الدكتور حسن يحيى
الأمين المساعد للجنة العليا للدعوة بمجمع البحوث الإسلامية