رئيس مجلس الإدارة
شريف عبد الغني
رئيس التحرير
ناصر أبو طاحون
رئيس التحرير التنفيذى
محمد عز
  1. الرئيسية
  2. وجهات نظر

حسام فوزي جبر يكتب يوم زفاف ابنتي

هناك أيام تمر في حياة الإنسان مرور العابرين، وأيام أخرى تترك بصمتها في الروح فلا تغادرها أبدًا، أيام نشعر فيها أن الزمن توقف قليلًا ليمنحنا فرصة للتأمل، وأن العمر الذي مضى أمام أعيننا في سنوات طويلة يمكن أن يختصر نفسه في لحظة واحدة تختلط فيها الدموع بالابتسامات، والفرح بالحنين، والرضا بالشوق.

واليوم، وأنا أستعد لزفاف ابنتي الكبرى تقي حسام جبر إلى زوجها كمال الدين مصطفى، أجد نفسي واقفًا أمام واحدة من تلك اللحظات النادرة التي لا تتكرر كثيرًا في حياة الإنسان، لحظة تجعل الأب يلتفت وراءه أكثر مما ينظر أمامه، فيرى سنوات كاملة مرت كأنها ومضة، ويتأمل رحلة طويلة بدأت منذ عقود، ليكتشف أن أعظم ما يملكه الإنسان في نهاية المطاف ليس المال ولا المناصب ولا الشهرة، وإنما الأثر الذي يتركه في نفوس من يحبهم، ففي مثل هذه الأيام يدرك الإنسان حقيقة العمر فهاهي الأعوام التي كنا نظنها طويلة تتقلص فجأة إلى مجموعة من الذكريات المتتابعة، فأتذكر ابنتي طفلة صغيرة تخطو خطواتها الأولى، ثم تلميذة تحمل حقيبتها إلى المدرسة، ثم شابة تبني أحلامها وطموحاتها، وها هي اليوم تقف على أعتاب بيت جديد وحياة جديدة، نعم إنها سنة الحياة التي أرادها الله لعباده وهي أن يكبر الأبناء، ويشقون طريقهم ويحملون مسؤولياتهم ثم يواصلون المسيرة التي بدأها آباؤهم وأمهاتهم من قبل وبين البداية والنهاية يقف الإنسان متأملًا قدرة الله التي تدير هذا الكون بحكمة لا يحيط بها إلا هو سبحانه.

وفي هذه اللحظة تحديدًا، لا أجد ما أبدأ به حديثي إلا الحمد لله عز وجل الحمد لله الذي منحني نعمة الأسرة، ونعمة الأبناء، ونعمة الصحة والعافية، والحمد لله الذي أكرمني بأن أرى ابنتي في هذا اليوم السعيد، فكم من إنسان تمنى أن يشهد مثل هذه اللحظات ولم يمهله القدر إليها، وكم من أب وأم غادروا الدنيا قبل أن يروا ثمار أعمارهم تكبر أمام أعينهم، إن الإنسان كلما تقدم به العمر ازداد يقينًا بأن ما يملكه حقًا هو فضل الله عليه وأن النجاحات التي ننسبها لأنفسنا ليست إلا توفيقًا من الله أولًا وآخرًا وأن الأبواب التي فُتحت لنا في الحياة لم تُفتح بقوتنا أبدًا بل برحمة الله وعونه وتسخيره للناس من حولنا. 

وفي يوم كهذا يعود بي التفكير إلى البدايات الأولى إلى رجل بسيط عظيم الأثر كان أبي -رحمه الله- ذلك الرجل الذي لم يترك لنا ثروة كبيرة، لكنه ترك ما هو أثمن من كل الثروات ترك لنا القيم والمبادئ والاستقامة واحترام الناس والسعي الشريف في طلب الرزق تعلمت منه أن الكرامة لا تُشترى وأن العمل الجاد هو الطريق الحقيقي لأي نجاح، وأن الإنسان يُعرف بأخلاقه قبل أي شيء آخر، وأعود بذاكرتي كذلك إلى أغلي الناس أمي -رحمها الله- أول من عشق ابتي العروسة تقي وأول من حملها كأنه فاز بأعظم جوائز الدنيا أمي التي كانت هي المدرسة الأولى في حياتي، منها تعلمت معنى الحنان والصبر والتضحية والتي كانت تؤمن بنا قبل أن نؤمن بأنفسنا، وتفرح لنجاحاتنا أكثر مما نفرح نحن بها واليوم وأنا أرى ابنتي عروسًا أتذكر أمي كثيرًا، وأشعر كم كنت أتمنى أن تكون موجودة لترى هذه اللحظة وتشاركنا فرحتها، رحم الله أبي وأمي رحمة واسعة، وجزاهما عني وعن إخوتي خير الجزاء فما نحن فيه من خير بعد فضل الله هو ثمرة ما غرسا فينا من قيم وأخلاق ومبادئ.

ولأن الحياة لا تُبنى بجهد فرد واحد، فإن الإنسان حين ينظر إلى رحلته يكتشف أنه مدين بالشكر لكثيرين، لأشخاص عبروا حياته وتركوا فيها أثرًا طيبًا، ولكل من قدم له كلمة دعم أو نصيحة أو مساعدة أو موقفًا صادقًا في وقت احتاج إليه، وأقف هنا طويلًا أمام شريكة الرحلة، زوجتي ورفيقة عمري وحب حياتي، ستة وعشرون عامًا مرت منذ جمعنا الله تحت سقف واحد. سنوات لم تكن كلها سهلة، ولم تكن كلها صعبة، لكنها كانت حياة كاملة تقاسمنا فيها الأحلام والمسؤوليات والأعباء والنجاحات والإخفاقات، ففي كل بيت هناك تفاصيل لا يعرفها إلا أصحابه وهناك تضحيات صامتة لا يراها الناس لكنها هي التي تبني البيوت وتحفظ تماسكها واليوم وأنا أرى ابنتنا تبدأ حياتها الجديدة، أعلم يقينًا أن لوالدتها نصيبًا عظيمًا من الفضل في كل ما وصلت إليه فقد كانت الأم والمعلمة والناصحة والصديقة، وكانت السند الحقيقي في رحلة التربية الطويلة، فنجاح الأبناء لا يُصنع في يوم واحد، ولا تصنعه الكلمات وحدها وإنما تبنيه سنوات طويلة من الصبر والعطاء والعمل المتواصل ولذلك فإن فرحة اليوم ليست فرحتي وحدي بل هي ثمرة جهد مشترك وحلم عشنا نعمل من أجله سنوات طويلة، تدعمنا فيه بعد عناية الله المخلصين المحبين بلا هدف ولا غاية كأمي الثانية وسندنا في الحياة والدة زوجتي الحاجة ام رامي وأخوال العروسة إخوتي الصغار وابنائي الكبار رامي وضياء ابناء الغالي الراحل عمي حمدي الزفتاوي وابنائي تسبح ومعز وأصدقائي المقربين وزملائي الأعزاء وإخوتي الكبار حاتم وحازم وكل المحبين الذين لا أجد كلمات أشكرهم بها سوي أن أسأل الله أن يبارك في أعمارهم ويجازهم خير الجزاء.

وفي مثل هذه المناسبات يدرك الإنسان معنى الأسرة الحقيقي يدرك أن الأحبة الأهل والأقارب والأصدقاء ليسوا مجرد أسماء في الحياة، بل هم الجذور التي تمنحنا الثبات حين تعصف بنا الرياح والوجوه التي تمنح أفراحنا معنى أعمق، لقد تعلمت من العمر أن النجاح الفردي محدود الأثر، أما النجاح الحقيقي فهو أن ترى من تحبهم سعداء، وأن تشعر بأنك تركت أثرًا طيبًا في حياة من حولك، وأن تكون قد أديت ما استطعت من واجباتك تجاه أسرتك وأبنائك ومجتمعك.

واليوم وأنا أودع ابنتي إلى بيت زوجها لا أشعر بأنني أفقدها بل أشعر بأن دائرة المحبة تتسع وأن أسرتنا تكبر وأن فصلًا جديدًا يبدأ في حياتها وحياتنا جميعًا، وأدعو الله من أعماق قلبي أن يبارك لتقي وكمال، وأن يجمع بينهما على المودة والرحمة والسكينة، وأن يرزقهما حياة ملؤها التفاهم والوفاء والاحترام، وأن يجعلهما عونًا لبعضهما البعض في مواجهة تحديات الحياة، كما أدعو الله أن يحفظ كل أب وكل أم، وأن يرزقهم فرحة رؤية أبنائهم في أفضل حال، وأن يبارك في البيوت العامرة بالمحبة والرحمة.

ولا أملك إلا أن أقول: الحمد لله دائمًا وابدًا، أولًا وآخرًا، ظاهرًا وباطنًا، على كل نعمة أنعم بها علينا وعلى كل لحظة فرح منحنا إياها وعلى كل إنسان طيب كان جزءًا من رحلتنا في هذه الحياة فما الحياة في النهاية إلا رحلة قصيرة وأجمل ما يبقى منها ليس ما جمعناه لأنفسنا، بل ما زرعناه من خير في قلوب الآخرين وما تركناه من أثر طيب فيمن أحببناهم وأحبونا.