رئيس مجلس الإدارة
شريف عبد الغني
رئيس التحرير
ناصر أبو طاحون
رئيس التحرير التنفيذى
محمد عز
الأخبار العاجلة :
  1. الرئيسية
  2. وجهات نظر

محمود الشاذلي يكتب: للمرة المليون.. واقعنا المعاصر: محاولة للفهم برؤية وطنية

الآن، أصبحتُ أرصد بصدق -عبر الدراسة والتحليل- تلك الحالة من المتناقضات التي خيمت على واقعنا المعاصر بالكلية. وقد حققتُ في ذلك نتائج ملموسة، كان الفضل فيها لتخصصي الصحفي في الشؤون السياسية والبرلمانية والحزبية، وقربي من عمق الأحداث حتى قبل تشرفي بعضوية البرلمان؛ لكوني جزءًا من كيان المواطن البسيط، وانتمائي للطبقة المتوسطة التي باتت معدمة، فضلاً عن علاقتي الطيبة بصناع المشهد؛ ليس كسياسي بل كصحفي متخصص.

​وما زاد ذلك فاعلية، أنني لستُ الآن طرفًا فاعلاً في واقعنا السياسي أو الحزبي أو البرلماني بقناعة وطيب نفس؛ الأمر الذي أخرجني من دائرة الصراع، والمبارزات السفسطائية، والتجاوزات اللفظية التي ينطلق منها الكثيرون. وقد عظم هذا الترفع عن الانخراط في المماحكات السياسية، أو الصراعات الانتخابية، أو المنافسات الحزبية، بعد أن خيم عليها جميعًا الهزل والتقزم، فكان من المهم الحفاظ على ما حققته في تاريخي.

​يقيناً، إن هذا النهج الذي أنطلق منه في الحياة ينبع من منطلق وطني وغايات نبيلة، تهدف إلى البحث عن سبيل لتجاوز أزماتنا، والحفاظ على وطننا الغالي، وبناء ثقة حقيقية بين كل مكوناته. وأرى ذلك واجبًا وطنيًا ودينيًا يتعين أن يبتغيه كل مواطن مصري شريف يحب وطنه، ويتمنى له الخروج من حالة "اللامعقول واللامفهوم" التي سيطرت على حياتنا. إن الحفاظ على الوطن هو حفاظ على الكيان، لكن هذا لن يتأتى إلا بتحديد مواطن الخلل بصدق، واليقين بأنه لا خروج من الأزمات إلا بالصراحة والوضوح، وطرح الحقائق بشفافية مطلقة بعيدًا عن الشعارات و"مصمصة الشفاه" والتباكي. كما يتطلب الأمر تناول نماذج صارخة نتعايش معها جميعًا لتتضح الرؤية، ويدرك الجميع أبعاد الأزمة التي يتعين تصويبها بعيدًا عن المعسول من الكلام.

​عن حق وصدق وقناعة، مخطئ من يظن أو يعتقد أو يتوهم أنه بسقوط الوطن الحبيب تتحقق السعادة ويشعر الناس بالأمان، أو أنه من قبيل فرض الهيمنة والسيطرة والاستحواذ على المشهد بكامله -سياسيًا كان أو مجتمعيًا- يُفرض التقزم وتُمرر السخافات، وترسيخ مقولة إن الشعب فاقد القدرة على الفهم والعطاء!

​بناءً على ذلك، يجري إفساد المشهد بإفساح المجال لفئات بعينها؛ هؤلاء المسموح لهم بكل شيء وأي شيء، خاصة من "الشباب الكيوت" وعلية القوم من أصحاب الملايين الذين يستحوذون على المناصب ويسيطرون على الاقتصاد، دون إدراك أن هناك فئات كثيرة في المجتمع مبدعة بحق؛ لأنها وصلت إلى هذا الإبداع بالجهد والعرق والمثابرة، لكنهم ليسوا أعضاء في "نادي الكبار" من ساكني القصور والفيلات، بل هم أبناء مصر العظيمة.

​لقد تابعتُ مؤخرًا نائبًا بالبرلمان من المستثمرين بالساحل الشمالي وهو يتحدث في الإعلام، وفي تقديري -تأثرًا بلغة خطابه الناعمة "الكيوت"- لا يمكن أن يكون قد خرج من رحم الشعب، أو يشعر بمعاناة الناس ويدرك آلامهم. أحزنني كثيرًا هذا المشهد الذي فُرض علينا فرضًا دون إدراك أن نائبًا على هذا النحو لا يمكن أن يكون مقنعًا حتى لطفل صغير، وبالتالي لن يحقق أي نتائج مرجوة.

​أتفق تمامًا مع ما أورده الكاتب الصحفي النائب مصطفى بكري في تصريحات ببرنامجه «حقائق وأسرار» على قناة صدى البلد (أغسطس 2026)، فيما يتعلق بمظاهر البذخ والاستفزاز المنتشرة من قبل بعض الأثرياء الجدد بالساحل الشمالي عبر منصات التواصل الاجتماعي. وأشاركه التساؤل عن مصدر ثرواتهم التي كونوها في سنوات قياسية، خاصة هؤلاء الذين التحقوا بركاب أصحاب المليارات، والقصور، والسيارات الفارهة خلال خمس سنوات فقط بعد أن كانوا لا يمتلكون شيئًا.

​وأرى أن ذلك امتد إلى الإسكندرية، يتصدرهم أحد أصحاب الحصانة الذي تناولته بعمق في مقال سابق في محاولة للفهم، أملاً في أن ينتبه شرفاء هذا الوطن من أصحاب القرار -وهم بفضل الله كثير- فيكونوا له ولغيره من الرادعين. هذا يجعلنا ننتبه إلى أن الطبقية البغيضة التي ودعناها منذ عصر الملكية تطل برأسها الآن ببجاحة؛ من خلال "البهوات" وأبنائهم وأحفادهم وأقاربهم وجيرانهم وحوارييهم من أصحاب المليارات.

​لذا، أصاب الكاتب الصحفي النائب مصطفى بكري الصواب حين أكد أن المجتمع أصبح أمام طبقتين: طبقة تمتلك المليارات، وأخرى بالكاد توفر احتياجاتها الأساسية بعد تحملها أعباء الإصلاح الاقتصادي. هذا التناول الوطني الصادق يستحق بالتأكيد أن نرى من يشرح لنا: ما هذا الذي يحدث بالضبط؟ لأننا إذا جهلنا ذلك وظللنا نمصمص الشفاه ونضرب كفًا بكف استغرابًا أمام هيمنة "اللامعقول"، فماذا يفعل المواطن البسيط إذا سيطر عليه هذا الواقع المؤلم؟

خلاصة القول..

بلا مزايدات، يتعين ألا يغضب من تم طرحهم في محاولة للفهم من "البهوات" وصناع القرار؛ فمن الطبيعي أن نختلف ونتصارع في الحياة، شريطة أن يكون الاختلاف للصالح العام، والتصارع من أجل ترسيخ الحقيقة وتحقيق التطور، وليس عبر تنامي حالة "عشق الأنا" وعبادة الذات التي باتت سمة رئيسية بين أصحاب المليارات، خشية أن يتحول المجتمع إلى كيانات يبدع بعضها في قهر البعض الآخر بغية أن يقول كل منهم: "أنا السيد، أنا موجود، أنا صاحب القرار ولا يعلو شيء على ما أريد!".

​النتيجة -بالقطع- مأساوية وكارثية، وتدفع إلى مزيد من الاحتقان والإخفاق؛ حيث يُسحق الحق في ركاب ذلك. لذا، يتعين علينا أن نوقف فورًا هذا الهزل الذي ندركه جميعًا، ونضع حدًا لتلك النزعة العدوانية التي سيطرت على سلوك الكثيرين، هذا إذا أردنا بحق تعميق الانتماء، ومراعاة صالح المواطن، والنهوض بوطننا الغالي.