في كل مرة تتصاعد فيها حدة التوتر في المنطقة يعود اسم مضيق هرمز إلى الواجهة باعتباره نقطة الاشتعال الأخطر في العالم لكن السؤال الحقيقي هل ما يُثار حوله يعكس واقعا وشيكا أم أنه جزء من لعبة أكبر تُدار بعناية بين القوى الدولية والإقليمية
مضيق هرمز ليس مجرد ممر مائي بل شريان حيوي يمر عبره جزء كبير من تجارة النفط العالمية وهو ما يجعله ورقة ضغط استراتيجية بامتياز تستخدمها الأطراف المختلفة في لحظات التفاوض أكثر مما تستخدمها في لحظات الحرب لأن إغلاقه الكامل لا يضر طرفا بعينه بل يربك الاقتصاد العالمي بأسره
الحديث المتكرر عن إغلاق المضيق أو تعطيله يدخل في إطار الرسائل السياسية أكثر من كونه قرارا قابلا للتنفيذ بسهولة فالتوازنات العسكرية والاقتصادية تجعل من أي خطوة تصعيدية مخاطرة غير محسوبة النتائج لذلك يبقى التهديد قائما كأداة ردع بينما يظل التنفيذ الفعلي احتمالا ضعيفا
ما نشهده في الإقليم اليوم هو نموذج واضح لإدارة الصراع لا حسمه حيث تتحرك الدول بين التصعيد الإعلامي والتهدئة الدبلوماسية في آن واحد وتُستخدم الأدوات الاقتصادية كبديل أقل تكلفة من المواجهة المباشرة فالعقوبات والتحالفات والانسحابات الجزئية كلها أوراق في لعبة المصالح
أما دول الخليج فقد وجدت نفسها في قلب هذه المعادلة حيث تحاول الموازنة بين علاقاتها الدولية ومتطلبات أمنها القومي وهو ما يفسر بعض المواقف التي بدت متباينة في فترات معينة لكنها في جوهرها تعكس إعادة ترتيب للأولويات لا خروجا عن الإطار العام للتنسيق الإقليمي
وفي هذا المشهد تبرز مصر كدولة تدير تحركاتها بهدوء وحسابات دقيقة بعيدا عن الضجيج فهي تدرك أن النفوذ الحقيقي لا يُبنى بالشعارات بل بالمشروعات والتحالفات الاقتصادية والتواجد الفعلي في الملفات الحيوية وهو ما يظهر في مشاركاتها الإقليمية ومشروعاتها الاستراتيجية
الخلاصة أن مضيق هرمز سيظل عنوانا دائما للتوتر لكنه في الوقت ذاته ساحة لإدارة المصالح أكثر منه ساحة لحرب شاملة وأن ما يبدو تهديدا مباشرا هو في كثير من الأحيان جزء من تفاوض غير معلن تُستخدم فيه كل أدوات القوة دون الوصول إلى نقطة الانفجار
فالعالم لا يُدار بردود الأفعال بل بحسابات دقيقة وما يُحاك خلف الكواليس هو الذي يحدد مسار الأحداث أما الضجيج فيبقى مجرد واجهة لمسرح كبير عنوانه المصالح قبل أي شيء آخر