الموقف في الشرق الأوسط يعكس حالة من التوتر ليست مفاجئة، فما يحدث من اشتباكات وتحركات عسكرية متبادلة أثناء المفاوضات هو نمط متكرر ومقصود للضغط السياسي وتحسين شروط التفاوض، كما أن الرسائل العسكرية المتبادلة بين الأطراف لا تعني بالضرورة اندلاع حرب شاملة كما يروج البعض
في الواقع، الجميع خاسر من استمرار الصراعات، ولا أحد يرغب في العودة إلى الحروب المفتوحة، خاصة في ظل حالة الإنهاك التي يعاني منها الاقتصاد العالمي، حيث تدرك القوى الكبرى أن استمرار التوتر يهدد التجارة والطاقة والاستقرار الدولي، وهو ما يفسر تزايد الرفض الدولي لإشعال المزيد من الصراعات في المنطقة
الحرب الإعلامية أصبحت في كثير من الأحيان أخطر من الحرب نفسها، إذ تنتشر ملايين الأخبار والتحليلات المتضاربة بهدف إثارة القلق والتشتيت، بينما المطلوب هو التحلي بالهدوء وعدم الانسياق خلف حالة الذعر، لأن النتائج النهائية للمفاوضات هي الفيصل الحقيقي وليس التصعيد المؤقت
في الوقت نفسه يتزايد الضغط الدولي لإعادة التوازن، مع وجود ضغوط واضحة على واشنطن وتل أبيب لاحتواء التصعيد، كما أن المفاوضات الكبرى لا تدور فقط حول إيران بل تمتد لتشمل شكل النظام العالمي بالكامل، وتشير المؤشرات إلى تحولات إيجابية نحو التهدئة
أما على الجانب الدولي، فقد أكدت روسيا من خلال خطاب الرئيس فلاديمير بوتين في احتفالات عيد النصر أن زمن القطب الواحد قد انتهى، وأن العالم يتجه نحو تعددية قطبية واضحة، لم يعد فيها النفوذ حكراً على قوة واحدة
العالم اليوم يتحرك بالفعل نحو نظام متعدد الأقطاب، حيث تتصدر المشهد قوى كبرى مثل الولايات المتحدة وروسيا والصين والاتحاد الأوروبي ومصر والهند، حيث لم يعد النفوذ اقتصادياً فقط بل أصبح سياسياً وعسكرياً واستراتيجياً
في هذا السياق، تواصل مصر توسيع نفوذها الإقليمي والدولي بقوة، مع دخول الشراكة المصرية الأوروبية مرحلة جديدة، وتحمل التحركات من الإسكندرية رسائل استراتيجية تخص البحر المتوسط وأفريقيا، لتؤكد أن مصر أصبحت بوابة رئيسية للقارة الأفريقية
كما تسعى فرنسا إلى إعادة تموضعها عبر البوابة المصرية، خاصة بعد تراجع نفوذها في أفريقيا، حيث أصبحت القاهرة شريكاً أساسياً في نموذج جديد قائم على المصالح والتعاون الاقتصادي والتكنولوجي والاستثماري بدلاً من الهيمنة التقليدية
ويشهد التعاون العسكري المصري تطوراً كبيراً، مع تحديث مستمر في التسليح والتكنولوجيا العسكرية، بما يخدم الأمن القومي وحماية المصالح الاستراتيجية، في ظل إدارة دقيقة لكل التحركات وفق حسابات مدروسة
وتبقى القوات المسلحة المصرية مؤسسة وطنية لا تخضع للتخمين أو التناول العشوائي، حيث يتم كل تحرك وفق قوانين ولوائح صارمة، ويظل الأمن القومي مسألة لا تُناقش بعشوائية، ما يستدعي الثقة في مؤسسات الدولة في القضايا الحساسة
الجيش المصري مؤسسة عريقة دوره الأساسي حماية الدولة والشعب، ويعمل في صمت بعيداً عن الضجيج الإعلامي، مع وجود العديد من المهام التي لا يُعلن عنها حفاظاً على الأمن القومي
وفي الداخل، يظل المبدعون الحقيقيون هم بناة الأوطان من المعلمين والعلماء والأطباء والمهندسين الذين يشاركون في بناء الطرق والمدن والموانئ والمصانع، حيث تمثل الهندسة أساس النهضة الحديثة من أبسط الأدوات إلى أعقد الصناعات، ويظل المهندس شريكاً رئيسياً في صناعة المستقبل
كما أن الخطأ الإعلامي لا يلغي قيمة التخصص، فالنقد الموضوعي مطلوب، لكن بعيداً عن التهويل أو الإساءة، مع ضرورة الحفاظ على الدقة والانضباط في تناول المشروعات الكبرى
وفي إطار العلاقات الدولية، تبرز العلاقة بين الرئيس عبد الفتاح السيسي والرئيس إيمانويل ماكرون كنموذج للتفاهم القائم على المصالح المشتركة وليس المجاملات، حيث بُنيت هذه العلاقة على مواقف حقيقية وثقة متبادلة في القدرة على اتخاذ القرار في أصعب الظروف
ترى القيادة الفرنسية في مصر دولة محورية استطاعت الحفاظ على استقرارها وسط منطقة مليئة بالصراعات، بينما يدرك الجانب المصري أهمية الدعم الفرنسي في توقيتات حساسة، خاصة في تطوير القدرات العسكرية
وقد شكلت صفقات مقاتلات الرافال وحاملات المروحيات من طراز ميسترال نقلة نوعية في قدرات الردع، ولم تكن مجرد صفقات سلاح، بل رسالة ثقة سياسية واستراتيجية بين البلدين
لغة التفاهم بين القادة تظهر في التفاصيل الصغيرة، حيث تعكس اللقاءات المشتركة سنوات من التنسيق والمواقف المتبادلة، فالعلاقات القوية لا تُبنى على المظاهر بل على المواقف وقت الأزمات
كما أن الجولة المشتركة في قلعة قايتباي بعد افتتاح جامعة سنجور لم تكن مجرد زيارة، بل حملت رسائل تؤكد عمق العلاقات المصرية الفرنسية، وتبرز مصر كدولة حضارة وثقافة إلى جانب كونها دولة قوة واستقرار
وتظل الإسكندرية مدينة الرسائل الكبرى، حيث كانت عبر التاريخ نقطة التقاء الحضارات والثقافات والتحالفات، وتعود اليوم لتكون ساحة للتلاقي بين السياسة والثقافة والنفوذ الدولي
في التحليل النهائي، يشير المشهد العالمي إلى اتجاه نحو التهدئة وليس الانفجار، رغم التصعيد الإعلامي، حيث تستمر المفاوضات وتبقى الأوضاع في الخليج والعراق والأردن وأفريقيا مستقرة بشكل عام، مع ميل متزايد لدى القوى الكبرى نحو الحلول السياسية بدلاً من الحروب
والرسالة الأهم للمصريين هي الاطمئنان على ذويهم في الخارج، ومتابعة الأخبار بعقلانية دون خوف، مع الثقة في قدرة مؤسسات الدولة على حماية الأمن القومي
حفظ الله مصر وشعبها وجيشها، والحمد لله رب العالمين، واذكروا الله كثيراً لعلكم تفلحون