رئيس مجلس الإدارة
شريف عبد الغني
رئيس التحرير
ناصر أبو طاحون
رئيس التحرير التنفيذى
محمد عز
  1. الرئيسية
  2. وجهات نظر

الدكتور أبو بكر الجندي يكتب عن: الاستمتاع بالمذاكرة (2)

استطاعت الطالبة(Jessica Cox) أن تحقق طموحها وأن تكون كابتن طيار رغم العقبات الكثيرة التي واجهتها، والتي من أعظمها أنها فاقدة لذراعيها، وأن تحصل على رخصة الطيران وهي بهذه الحالة؛ فمَن أوقد هِمَّته وأشعل شغفه وحدد هدفه وكافح من أجله وصل إليه ولابد دون أن يشعر بملل أو فتور مهما طال الطريق.
وإذا أحب الطالب المذاكرة حقيقةً، فإنه فوق فرحة النجاح وسعادة التفوق، هناك مِنحة أخرى وهي ذهاب الملل والزهق من المذاكرة، ومِنحة ثالثة هي الفرح والسعادة بالعلم والتعلم، وكل معلومة جديدة هي بمثابة طاقة فرح ومنحة لسعادة القلب واستمتاع العقل والروح، مما يجعله يعشق المذاكرة وتكون أحب إليه من الطعام والشراب بل من الزواج والنكاح حتى إن الإمام النووي صاحب كتاب (رياض الصالحين) فضل الانشغال بالعلم والمذاكرة عن الزواج وإنجاب الذرية، فطالب العلم لا يشبع من العلم والتعلم كما لا يشبع طالب المال.
والمذاكرة وإن كانت في أولها صعبة وهذا شيء طبيعي فصعود الجبال ليس بالأمر الهين، ولكن مع الصبر والمصابرة والمنافسة يسهل كل صعب، كما قال تعالى في سورة الشرح: {فَإِنَّ ‌مَعَ ‌الْعُسْرِ يُسْراً (5) إِنَّ ‌مَعَ ‌الْعُسْرِ يُسْراً }[الشرح: 5، 6]، بل تحول الصعب إلى محبوب للقلب ومعشوق للنفس بشرط الدوام والاستمرار، ولهذا قال تعالى بعدها عن أهم أسباب انشراح الصدور وفرحة القلوب: {فَإِذَا ‌فَرَغْتَ ‌فَانْصَبْ (7) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ}[الشرح: 7، 8]، فمن شغل فراغه وأدى واجباته انشرح صدره وَسِعد بتوفيق ربه ومعونته، أما الفراغ والراحة فهي مضرة بالصحة النفسية والجسدية.  
وهذه بعض القصص لمن وصلوا للذة العلم والاستمتاع به:
فهذا الإمام الشافعي الذي قيل له: كيف ‌شهوتك ‌للعلم؟ قال: أسمع بالحرف - أي بالكلمة - مما لم أسمعه، فتود أعضائي أن لها أسماعا تتنعم به مثل ما تنعمت به الأذنان، فقيل له: كيف حرصك عليه؟ قال: حرص الجموع المنوع في بلوغ لذته للمال، فقيل له: فكيف طلبك له؟ قال: طلب المرأة المضلة ولدها ليس لها غيره.
وهذا أحمد بن عبد الملك المعروف بابن المكوي الذي قال عن حبه للقراءة: إذا علت هذه النفس انصبت إلى تلك المعرفة، والله ما لي راحة ولا لذة في غير النظر والقراءة. 
وسُئل النوفلي: مَا بلغ بِك من شهوتك للعلم؟ قال: إذا نشطتُ فلذَّتي، وإذا اغتممتُ فسَلْوَتي.
وقال الجاحظ الأديب عن فرحة العلم: للعلم سَوْرَةٌ، ولانفتاحه بعد استغلاقه فرحةٌ، لا يضبطها بشريٌّ وإن اشتدّت حنكته.
والإمام الكبير ابن حزم، وهو في محبسه تعب من التفكير في حل مسألة علمية، ثم فتح الله عليه وحلها وشاء الله أن يُطلق سراحه في ذات الوقت، فهام طربًا وفرحاً لحل المسألة لا لإطلاق سراحه، فيقول: "لقد كان سروري يومئذٍ وأنا في تلك الحال بظفري بالحق فيما كنت مشغول البال به وإشراق الصواب لي أشد من سروري بإطلاقي مما كنت فيه". 
ومحمد بن إدريس بلبصير المغربي كان يسكن بالقرب من جامع القرويين بفاس، وله مكتبة فوق السطوح، يظل فيها الليل كله يبحث ويتدبر ويستنبط، وكان إذا فتح الله عليه في مسألة من المسائل يأخذ دُفًّا ويبدأ في الضرب عليه بسعادة وفرح، فإذا سمعه الناس قالوا: ها هو الشيخ قد فهم.
ويقول التاج السبكي عن لذته بالعلم 
سَهَري لتنقيح العلوم ألذُّ لي … من وَصْل غانيةٍ ‌وطِيب ‌عِناقِ
وتمايلي طربًا لحلِّ عويصة … أشهى وأحلى من مُدامة ساقي
وصَريرُ أقلامي على أوراقها … أحلى من الدُّوكاءِ والعُشَّاقِ
وألذُّ من نَقْرِ الفتاة لدُفِّها … نقري لألقي الرَّمْلَ عن أوراقي
أأبِيتُ سهرانَ الدُّجَى وتبيتَه … نومًا وتبغي بعد ذاك لحاقي؟!
وأخيراً ومع أن أول ما أنزل من القرآن الكريم آية تحث على التعلم والقراءة: {‌اقْرَأْ ‌بِاسْمِ ‌رَبِّكَ ‌الَّذِي ‌خَلَق}[العلق 1]، إلا إنه من الإحصائيات الموجعة إحصائية تقول: إن متوسط قراءة الرجل العربي في اليوم الواحد ‌رُبَع صفحة، فكيف تنهض أمة لا يقرأ الفرد في يومه إلا خمسة أسطر، بما فيها من قراءة غير نافعة؟!