رئيس مجلس الإدارة
شريف عبد الغني
رئيس التحرير
ناصر أبو طاحون
رئيس التحرير التنفيذى
محمد عز
  1. الرئيسية
  2. وجهات نظر

الدكتور محمد سيد أحمد يكتب: تساؤلات حائرة.. حين يغيب العقل !!

في عالم يفترض أنه تحكمه معايير ثابتة وواضحة، تبدو قصة أبو محمد الجولاني أو -أحمد الشرع- كأنها اختبار قاس لمصداقية تلك المعايير. كيف يمكن لشخص ارتبط اسمه بتنظيمات مصنفة دوليًا بالإرهابية، وعلى رأسها تنظيم القاعدة، أن يتحول إلى حاكم فعلي يتعامل معه سياسيًا؟ كيف ينتقل من خانة "المطلوب دوليًا" إلى موقع "الفاعل السياسي" دون أن تتغير قواعد اللعبة المعلنة؟ وأين اختفت تلك الخطوط الحمراء التي طالما قيل إنها لا تمس؟

لنعد إلى البداية، حيث لم يكن الجولاني شخصية طارئة على المشهد، بل نتاج مسار طويل داخل بيئات قتال شديدة التطرف والإرهاب، بدأت في العراق بعد الغزو الأمريكي عام 2003. هناك داخل شبكات مرتبطة بالقاعدة، تبلورت رؤيته، وتكونت خبرته، وتكرست قناعاته. لم يكن مجرد تابع، بل عنصرًا فاعلًا داخل منظومة تبنت العنف والإرهاب وسيلة لتحقيق أهدافها، ووضعت نفسها في مواجهة مباشرة مع المجتمع الدولي.

ثم جاءت اللحظة السورية. مع بدء الحرب الكونية في عام 2011، عاد إلى سورية ليؤسس تنظيمه الإرهابي الخاص "جبهة النصرة"، التي أعلنت بوضوح ولاءها للقاعدة. وخلال فترة قصيرة، أصبح اسمها مرادفًا لواحدة من أكثر الفصائل الإرهابية إثارة للجدل، وأشدها حضورًا على قوائم الإرهاب. لم يكن ذلك توصيفًا إعلاميًا، بل تصنيفًا رسميًا من قوى كبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، التي لم تكتف بالإدانة، بل وضعت الرجل ضمن قائمة أخطر المطلوبين.

وفي خطوة تعكس حجم هذا التصنيف، أعلنت واشنطن عبر برنامج مكافآت من أجل العدالة مكافأة مالية تصل إلى عشرة ملايين دولار لمن يدلي بمعلومات تقود إلى القبض عليه. عشرة ملايين دولار مقابل رأس رجل واحد رسالة لا تحتمل التأويل: هذا الشخص يمثل تهديدًا كبيرًا يجب إيقافه. لكن هنا تبدأ المفارقة التي تثير الدهشة، بل والريبة.

كيف يتحول هذا "التهديد" إلى "واقع سياسي" يتعامل معه؟ كيف تختفي فجأة لغة المطاردة، لتحل محلها لغة التكيف؟ هل تغير الرجل فعلًا، أم أن الحسابات الدولية هي التي أعادت ترتيب الأولويات؟

في عام 2016 أعلن الجولاني فك ارتباطه بالقاعدة، وأعاد تشكيل تنظيمه تحت مسميات جديدة، أبرزها "هيئة تحرير الشام". قدمت هذه الخطوة على أنها تحول استراتيجي، لكن كثيرين رأوا فيها مجرد إعادة تموضع تكتيكية، تهدف إلى تخفيف الضغط الدولي دون تغيير جوهري في البنية أو الفكر. ومع ذلك استمرت الوقائع على الأرض في منحه قوة أكبر، حيث فرض سيطرته على إدلب ومناطق واسعة، وأنشأ إدارة مدنية تعرف بـ"حكومة الإنقاذ".

وهنا تتعمق "التساؤلات الحائرة":
كيف يسمح لشخص بهذه الخلفية أن يصبح الحاكم الفعلي لمنطقة تضم ملايين البشر؟
كيف يمكن القبول بسلطة لم تأت عبر انتخابات، ولا حتى عبر عملية سياسية شكلية؟
كيف يعاد تقديم الرجل بخطاب جديد وملابس مدنية، وكأن الماضي يمكن محوه بمجرد تغيير الصورة؟

ثم ماذا عن الموقف الدولي؟ كيف يمكن تفسير هذا التناقض الصارخ بين الأمس واليوم؟ بالأمس، كان الجولاني هدفًا أمنيًا ترصد الملايين للقبض عليه. واليوم هو طرف يؤخذ وجوده في الحسبان ضمن معادلات سياسية معقدة. أين ذهبت تلك الحدة؟ وأين اختفت تلك القناعة بأنه "إرهابي يجب القضاء عليه"؟

هل أصبح تعريف "الإرهاب" مرنًا إلى هذا الحد؟ يعاد تشكيله وفقًا للظروف؟ وهل يمكن أن تتحول التصنيفات من أدوات قانونية إلى أوراق سياسية تستخدم ثم تركن جانبًا عند الحاجة؟

الأمر لا يتوقف عند حدود التناقض، بل يتجاوز ذلك إلى إشكالية أعمق تتعلق بمفهوم الشرعية. فالجولاني لم يصل إلى موقعه عبر صناديق الاقتراع، ولا عبر تفويض شعبي، بل عبر موازين قوة فرضت نفسها. ومع ذلك يطرح اليوم -بشكل أو بآخرـ كجزء من واقع سياسي يجب التعامل معه. فهل يكفي "الواقع" وحده لصناعة الشرعية؟ أم أن الشرعية مفهوم يمكن إعادة تعريفه بحسب الظروف؟

ثم ماذا عن الشعب السوري؟ أين موقعه في كل هذا؟ كيف يمكن الحديث عن "قيادة" دون إرادة شعبية واضحة؟ أليس هذا تجاهلًا لجوهر أي عملية سياسية حقيقية؟

إن ما يحدث يكشف عن حقيقة يصعب تجاهلها: أن السياسة الدولية لا تدار دائمًا وفق مبادئ ثابتة، بل وفق مصالح متغيرة. وأن الخطاب الأخلاقي، مهما بدا صارمًا، يمكن أن يتراجع حين تتغير موازين القوى. فحين يصبح التعامل مع "الأمر الواقع" ضرورة، تعاد صياغة المواقف، وتخفف اللغة، وتفتح الأبواب التي كانت مغلقة.

لكن هذا المسار يطرح مخاطر لا يمكن التقليل منها. فإذا كان بالإمكان تجاوز الماضي بهذه السهولة، فما الذي يمنع تكرار السيناريو؟ وإذا كان تغيير الخطاب كافيًا لإعادة التأهيل، فما قيمة كل تلك التصنيفات والإدانات السابقة؟

من هنا لا تقدم هذه القصة إجابات بقدر ما تفتح أبوابًا جديدة من الأسئلة. أسئلة تتعلق بالمبادئ، بالعدالة، وبمصداقية النظام الدولي نفسه. هل نحن أمام تحول حقيقي في شخصية الجولاني؟ أم أمام تحول في طريقة تعامل العالم معه؟ وهل يمكن الوثوق بمسار لا يمر عبر محاسبة واضحة أو شرعية شعبية حقيقية؟

تبقى "التساؤلات الحائرة" قائمة، وربما تتزايد في ظل غياب العقل. لأن ما يحدث لا يتعلق بشخص واحد فقط، بل بصورة أوسع لنظام دولي يبدو أحيانًا وكأنه يعيد كتابة قواعده بنفسه، وفق ما تمليه اللحظة، لا ما تفرضه المبادئ، اللهم بلغت اللهم فاشهد.

بقلم/ د. محمد سيد أحمد