لم تكن رحلة ابن السادسة والعشرين ربيعاً، ابن قرية "ميت الرخا" التابعة لمركز زفتى بمحافظة الغربية، مجرد سفر عابر، بل كانت رحلة طارد فيها حلم الهروب من واقع ضيق إلى سعة "الجنة الأوروبية" المتخيلة. الشاب الذي قضى سنوات عمره الأولى يعمل مع أخواله في تجارة الطماطم، يجمع وينقل البضائع تحت أشعة الشمس الحارقة، قرر ذات يوم أن يلقي بجسده وأحلامه في غيابات البحر الأبيض المتوسط، متوجهاً إلى إيطاليا، دون أن يعلم أن السطر الأخير في روايته سيكتب بحبر الدم والغموض داخل زنزانة باردة.
أهوال الموت في عرض البحر
تبدأ المأساة عندما حزم الشاب أمتعته سراً، تاركاً خلفه حقول الطماطم وأسواقها في الغربية، ليركب "قوارب الموت" (الهجرة غير الشرعية). شهادات مقربين ومن نجوا من تلك الرحلة تؤكد أن الشاب عاين أهوالاً يشيب لها الولدان في عرض البحر:
تكدس بشري مخيف: قارب متهالك يحمل ثلاثة أضعاف حمولته المقررة.
نقص الزاد والماء: أيام طويلة تحت رحمة الأمواج العاتية دون طعام أو ماء صالح للشرب.
شبح الموت: رؤية رفاق الرحلة وهم يتساقطون ويسلمون أرواحهم للبحر أمام عينيه، في تجربة تركت في نفسه ندوباً نفسية لا تندمل.
الوصول المر.. من حلم "روما" إلى جدران السجن
نجا الشاب من أمواج البحر العاتية ووصل إلى الأراضي الإيطالية، لكن "أحلام الورد" تبخرت سريعاً على صخرة الواقع. لم تمر سوى فترة وجيزة حتى تورط الشاب في مشكلة قانونية معقدة — لم تتضح معالمها بالكامل بعد — أدت إلى إلقاء القبض عليه من قبل السلطات الإيطالية وإيداعه خلف قضبان أحد السجون.
تحولت جدران السجن إلى مقبرة لطموحات الشاب الذي كان يحلم بجمع المال والعودة لبلدته ميت الرخا ليتزوج ويؤسس حياة كريمة.
النهاية الفاجعة: موت أم قتل متعمد؟
الصدمة الكبرى التي هزت القرية الهادئة في مركز زفتى كانت نبأ وفاته داخل السجن الإيطالي. ومع وصول الخبر، انقسمت الروايات وتضاربت الأنباء، لينفتح باب من الحزن والشك لا يغلق:
الرواية الرسمية الأولى: تشير إلى الوفاة الطبيعية أو الناتجة عن تدهور الحالة الصحية والنفسية جراء الصدمات التي عاشها في البحر وظروف الاحتجاز.
رواية أهل القرية والمقربين: تنادي بوجود شبهة جنائية صارخة، حيث يتداول الكثيرون مؤشرات تؤكد أن الشاب مات مقتولاً داخل محبسه إثر اعتداء أو مشاجرة غامضة، مطالبين بفتح تحقيق دولي وتشريح الجثمان لمعرفة الحقيقة.
العبرة من القصة
تظل قصة ابن "ميت الرخا" صرخة تحذير ومدعاة للتأمل والاعتبار:
وهم "الجنة البديلة": الهجرة غير الشرعية ليست طريقاً للثراء بل هي مقامرة غير مضمونة العواقب بالروح والجسد.
الرضا والسعي الآمن: العمل البسيط والمستقر (كتجارة الطماطم مع الأهل) رغم قلة عائده أحياناً، يظل أكرم وأأمن من رمي النفس في التهلكة والمجهول.
النهايات المأساوية: غياب الضمانات القانونية للمهاجر غير الشرعي يجعله لقمة سائغة للضياع والاضطهاد خلف البحار دون بواكي.
تنتظر عائلة الشاب اليوم جثمانه (أو حقيقة ما جرى له)، لتظل قصته غصة في حلق كل شاب يفكر في ركوب البحر، ودرساً قاسياً ومؤلماً يتردد صداه بين حقول زفتى وبيوتها.