في مشهد إيماني يتكرر كل عام، شهدت أروقة وصحن الطواف في المسجد الحرام تدفقًا لافتًا لنساء مكة المكرمة وبعض من رجالها، لإحياء العادة التاريخية المتوارثة والمعروفة بـ "يوم الخليف" أو "خلو الحرم"، متوشحات بلقب يفيض بالود والإجلال وهو "مؤنسات الحرم".
وتأتي هذه الحركة التلقائية من أهل مكة بالتزامن مع تصعيد ضيوف الرحمن إلى صعيد عرفات الطاهر؛ حيث يحرص سكان العاصمة المقدسة على التوجه إلى بيت الله الحرام لأداء صلاتي المغرب والعشاء وتناول طعام الإفطار هناك، تلبيةً لنداء روحي يمنعهم من ترك صحن الطواف خاليًا في هذا اليوم المبارك.
حضور نسائي يملأ الميادين
ويتميز هذا اليوم بحضور نسائي طاغٍ يفوق أعداد الرجال بشكل ملحوظ؛ نظراً لإنشغال أغلب رجال مكة وشبابها بالمهام التنظيمية، والميدانية، والتشغيلية في خدمة الحجاج بمشاعـر عرفة، ومزدلفة، ومِنى.
هذا الغياب المؤقت للرجال من أجل الوفاء بـ "رفادة وسقاية" الحجيج، جعل من نساء مكة الحارس الإيماني لـ "أُنس" الحرم؛ حيث توافدن فرادى وجماعات لبث الحياة والطمأنينة في جنبات المسجد الحرام، وهو ما أطلق عليه الوجدان المكي تسمية "مؤنسات الحرم".
موروث يجمع بين العبادة والانتماء
ويرى باحثون في تاريخ مكة المكرمة أن هذه العادة لا تمثل مجرد طقس اجتماعي، بل هي موروث ديني وإنساني عميق يجسد ارتباط أهل مكة بالبيت العتيق. ففي الوقت الذي يتجه فيه العالم نحو المشاعر المقدسة، يتجه أهل مكة نحو الحرم ليكونوا جيرانه الحاضرين، وليؤكدوا أن بيت الله لا يخلو من الطائفين والعاكفين والركع السجود في أعظم أيام السنة.