حثت كل الديانات السماوية على بذل الصدقات وإخراج الزكوات، ومساعدة الضعفاء وذا الحاجة، ولكن لا يقدر على ذلك إلا أهل الغنى والثراء، دون الفقراء والمساكين؛ حتى لما قال النبي صلى الله عليه وسلم: " على كل سُلَامَى (مِفْصَل) من ابن آدم صدقة حين يصبح"؛ فَشَقَّ ذلك على المسلمين؛ لأن عامتهم فقراء؛ فقال صلى الله عليه وسلم: "إن سَلَامَك على عباد الله صدقة"، فإفشاء السلام صدقة معنوية لنشر المحبة والسلام بين الناس جميعًا.
وقد شكا فقراء الصحابة من قلة صدقاتهم المالية، وقالوا في شكواهم: يا رسول الله، ذهب أهل الدُّثُور بالأجور يُصَلُّون كما نصلي ويصومون كما نصوم ويتصدقون بفضول أموالهم، قال: "أوليس قد جعل الله لكم ما تصدقون، إن بكل تسبيحة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن منكر صدقة" فالنصح والإرشاد وترطيب الألسنة بذكر الله صدقة معنوية من الإنسان على نفسه؛ فهو أحوج إلى هذه الصدقة من الفقير إلى المال والعطاء.
ولأجل هذا الغيرة على الأجر الثواب من الأغنياء والفقراء جعل الله تعالى الصدقة المعنوية شركة بينهم جميعًا, والتي يقدر عليها كل إنسان، والتي منها:
ـ المشي للصلوات، قال صلى الله عليه وسلم: "وكل خطوة يمشيها إلى الصلاة صدقة".
ـ إماطة الأذى عن الطريق، قال صلى الله عليه وسلم: "أمط الأذى عن الطريق؛ فهو لك صدقة".
ـ البسمة قال صلى الله عليه وسلم: "وتبسمك في وجه أخيك صدقة".
ـ نفقات البيت، قال صلى الله عليه وسلم: "ولست تنفق نفقة تبتغى بها وجه الله إلا أجرت بها حتى اللُّقمة تجعلها فى فم امرأتك".
ـ إفراغ الشهوة في الحلال، قال صلى الله عليه وسلم: "وفي بُضْع أحدكم صدقة، قالوا يا رسول الله، أيأتي أحدنا شهوته، ويكون له فيها أجر؟ قال: أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر".
ـ كف الأذى عن الناس قال صلى الله عليه وسلم: "تكف شرك عن الناس فإنها صدقة منك على نفسك"، وكما كف أذاه عن الناس كف الله تعالى الأذى عنه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "صنائع المعروف تقي مصارع السوء"، وربما كانت الصدقة بغير المال أفضل عند الله تعالى من الصدقة الحقيقية بالمال نفسِه كما قال الله تعالى: {قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ}[البقرة: 263]؛ فالصدقة إذا لم تحفظ كرامة الفقير فلا قيمة لها.
ومن النماذج الرائعة في البذل والإحسان المعنوي نبي الله يوسف عليه السلام، حيث قيل له وهو على خزائن مصر: { إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ}[يوسف: 78]، ومن قبل قيل له وهو في السَّجن: {نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ}[يوسف: 36]، ولا يُتَصور إحسانه في سجنه وفقره إلا الإحسان المعنوي؛ فمن تعود بسط الكف لا يبخل ولا يقبضها حتى ولو كان فقيرًا.
تعوَّدَ بسط الكفِّ حتى لو أنَّه ثناها لقبضٍ لمْ تُجبهُ أنامِلُهْ
هو البحر من أي النواحي أَتَيْتَهُ فلجته المعروف والجود ساحله
ولو لم يكنْ في كفِهِ غيرُ روحِهِ لجادَ بها، فليتقِ اللهَ سائلُهْ