أعادت واقعة الشاب اليمني عابد المصرفي فتح ملفات شائكة ترتبط بالبنية الاجتماعية والطبقية الصارمة التي ما تزال تحكم بعض المجتمعات القبلية في اليمن. وتحولت قصة الشاب، المؤصلة في محافظة عمران (شمالي البلاد)، إلى قضية رأي عام واسعة النطاق على منصات التواصل الاجتماعي، مصلطة الضوء على التنازع المستمر بين خيارات الأفراد الحرة، والأعراف الجمعية السائدة.
وكان المصرفي، الذي ينتمي إلى قبيلة "آل المصرف"، قد ارتبط بفتاة تنتمي إلى فئة اجتماعية تُعرف محليًا بـ "المزاينة" وهي الشريحة التي يشتغل أبناؤها تاريخيًا في المهن الحرفية والخدمية كالحلاقة والجزارة والحدادة. ووفقًا لمقاطع مصورة متداولة، واجه الشاب تدابير عقابية من قبيلته شملت الاعتداء والاحتجاز ومصادرة الممتلكات، بهدف الضغط عليه لإنهاء هذا الارتباط الذي اعتبرته القبيلة "خروجًا عن السلف والْعرف".
تحولات مجتمعية تحت وطأة الحرب
وفي قراءة للمشهد، تُرجع د. منى المحاقري، الأكاديمية في جامعة صنعاء ورئيسة مؤسسة "شهرزاد" الثقافية، الجذور التاريخية لهذه القيود إلى فترات الانغلاق التي سبقت خمسة عقود. وترى المحاقري في تصريحات لـ "سبوتنيك" أن المجتمع اليمني شهد انفتاحًا ملموسًا بفضل وسائل الاتصال الحديثة وشبكة الإنترنت التي توغلت في الأرياف، مما ساهم في التخلي عن الكثير من القيود.
بيد أن المحاقري تستدرك بالإشارة إلى الأثر السلبي للحرب الراهنة.. "لقد تركت الحرب أثرًا سلبيًا على الحريات الاجتماعية، وتزامن معها تزايد معدلات تسرب الفتيات من التعليم وعودة ظواهر مثل زواج القاصرات، مما يعكس ارتدادًا في المؤشرات الحمائية للمرأة".
وتوضح الأكاديمية اليمنية الخارطة الطبقية التقليدية، مبيّنة أنها تتوزع تاريخيًا بين طبقات صلبة، تبدأ بـ "الأشراف أو السادة" الذين احتفظوا بامتيازات ومكانة اجتماعية قيدت مصاهرتهم لفترات طويلة قبل أن تتسع لتشمل طبقة "القضاة"، وصولًا إلى "القبائل" المحيطة بالحواضر المدنية والتي يرتكز الزواج فيها على الدائرة الداخلية أو القبائل المكافئة. وتأتي فئات "المزاينة" و"المهمشين" في درجات أدنى من المنظور العرفي، مما يجعل الارتباط بهم من المحرمات الاجتماعية التي قد تدفع ببعض الشباب إلى حافة الانتحار إثر إجهاض قصصهم.
من جانبه، يدعو سامي العدني، رئيس مؤسسة "X ADEN" المجتمعية، إلى عدم تعميم هذه الظواهر على كامل الجغرافيا اليمنية. ويؤكد العدني لـ "سبوتنيك" أن "التمييز الاجتماعي في مسألة الزواج يتفاوت بشكل حاد بين المناطق؛ فبينما تعطي البيئات القبلية المغلقة وزنًا مطلقًا للنسب والمكانة، تراجعت هذه المعايير في المراكز المدنية الكبرى وبين الأجيال الشابة".
ويضيف العدني مفارقة رقمية حول واقع حرية الاختيار:
حق الاختيار: تفتقر نحو 80% من الفتيات لحق الاختيار المستقل لشريك الحياة، حتى في حواضر أكثر انفتاحًا مثل عدن وتعز.
النمط السائد: يظل زواج الأقارب هو المهيمن في المحافظات ذات الطابع القبلي.
البيئة المدنية: تمثل مدينة عدن، بنسيجها الديموغرافي المتنوع، نموذجًا يتقدم فيه اختيار الشاب وتتعدد فيه الزيجات بين أعراق وقبائل مختلفة، مقارنة بالمناطق التي قد يصل فيها إصرار الشاب على خياره إلى قطيعة أسرية كاملة أو مواجهة عنيفة.
وفي إطار مقارنة الظاهرة ببنى مجتمعية أخرى، ترى د. إيمان إبراهيم شرف الدين، الأكاديمية بجامعة صنعاء، أن الفوارق الطبقية ظاهرة تاريخية عرفتها وتعرفها مختلف المجتمعات، بما فيها المجتمعات الغربية كبريطانيا عبر نظام النبلاء وعموم الشعب.
وتشدد شرف الدين لـ "سبوتنيك" على أن قضية عابد المصرفي حقيقية وليست سعيًا خلف الشهرة الرقمية، مؤكدة:
"هذه الثقافة الطبقية والتمييزية لا تمت لتعاليم الإسلام بصلة، لكنها ممارسات متأصلة في الوعي الشعبي والقبلي وتصطدم بالقوانين والتشريعات العادلة".
وتتفق د. سعاد السبع، الباحثة في القضايا المجتمعية والأكاديمية بجامعة صنعاء، مع هذا الطرح، موضحة أن عقود الزواج في اليمن لا تنعقد بصفتها قرارًا فرديًا بين طرفين، بل بوصفها "تحالفًا وعلاقة ممتدة بين أسرتين" تشترط الرضا العائلي المتبادل لضمان نجاحها واستقرارها.
وتلفت السبع الانتباه إلى وضع "فئة المهمشين" (عمال النظافة)، مشيرة إلى أن العادات الاجتماعية تطغى في كثير من الأحيان على المقاصد والتوصيات الدينية:
"حتى وإن توفرت الكفاءة الأخلاقية والمالية في الشاب، فإن الأسرة التي تقبل بتزويجه لا تسلم من النظرة الدونية والتنمر من القبائل الأخرى، وهو ما يكشف عن قصور في الوعي الديني وهيمنة لثقافة العيب المجتمعي".
تثبت قضية الشاب عابد المصرفي، وفق مراقبين، أن الفضاء الرقمي بات يشكل منصة علنية لتفكيك البنى التقليدية الصارمة ومساءلتها. ومع استمرار النزاع التأسيسي بين سلطة العرف القبلي وحقوق الأفراد المدنية، تظل المعالجات الثقافية والتعليمية وتطبيق سيادة القانون هي الرهان الأساسي لإحداث توازن يحمي النسيج الاجتماعي دون مصادرة الحريات الإنسانية..