رئيس مجلس الإدارة
شريف عبد الغني
رئيس التحرير
ناصر أبو طاحون
رئيس التحرير التنفيذى
محمد عز

بث تجريبي

الأخبار العاجلة :
  1. الرئيسية
  2. وجهات نظر

الدكتور أبو بكر الجندي يكتب عن: مراعاة مشاعر الناظرين

قد يجلس الإنسان على مائدة من الطعام تشرح الصدر وتشبع النفس فيها ما لذّ وطاب من الأكل والشرب، ولكن سرعان ما تتغير هذه الحالة الطيبة إلى حالة مزعجة إذا لاحظ الطاعم عيناً تنظر إليه، أو بصراً يلتفت إليه، أو مَن يتطلع إلى ما في يده. 
وللحفاظ على هذا المزاج الطيب ينبغي أن تشارك هذا الناظر إلى طعامك وإعطائه شيئاً مما في يدك ما أمكن؛ دفعًا لشره إن كان حاسدًا، أو مواساةً له وجبرًا لخاطره إن كان فقيرًا، فـ {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ}[آل عمران: 92] ، وإسعاد الغير سبب لإسعاد النفس، وفي هذه المشاعر الراقية جاء الإرشاد النبوي الرائع والذي منه:
ـ قول صلى الله عليه وسلم: "إذا أتى أحدكم خادمه بطعامه، فإن لم يجلسه معه فليناوله أكلة أو أكلتين، أو لقمة أو لقمتين؛ فإنه وَلِيَ حَرَّهُ وَعِلاَجَه"، فهو الذي طبخه بيده، وتحمل مشقة حره ودخانه، وشم رائحته، وسال له لُعابه، فإما أن تُجلسه معك تواضعًا، فإن لم يجلس معك لعذرٍ كقلة الطعام، أو حياءً من الخادم وتأدبًا، فليس أقل من أن تأخذ له شيئًا من الطعام وتعطيه إياه؛ لا أن تكون أنانيا تأكل وحدك وتتنعم وهو ينظر إليك.
ـ  قول النبي صلَّى الله عليه وسلَّم لأبي ذر الغفاري: "إذا طبخت قدرًا، فأكثر المرق، وتعاهد جيرانك"، فقد فاحت رائحة اللحم بين الجيران، وتعلقت به نفوسهم، فإن لم تستطع أن تعطيهم من اللحم ذاته، فلا أقل من تمنحهم من مرقه؛ لتسكن نفوسهم، وتجلب محبتهم ومودتهم.
أما إيثار الغير على النفس فتقول السيدة عائشة رضي الله عنها جاءتني مسكينةٌ تحمِلُ ابنتينِ لها فأطعَمْتُها ثلاثَ تمراتٍ فأعطتْ كلَّ واحدةٍ منهما تمرةً ورفَعت إلى فمها تمرةً لِتأكُلَها فاستطعَمَتاها ابنتاها؛ فشقَّتِ التَّمرةَ الَّتي كانت تُريدُ أنْ تأكُلَها بينَهما فأعجَبني حنانُها، فذكَرْتُ الَّذي صنَعتْ لرسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقال: "إنَّ اللهَ قد أوجَب لها الجنَّةَ وأعتَقها بها مِن النَّارِ".
ووسع كتاب الإنسانية الخاتم القرآن الكريم مشاركة الحاضرين وجبر خاطرهم ليس في الطعام فحسب بل حتى في توزيع الحقوق، فقال تعالى: {وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا}[النساء: 8]، أَي إذا حضر قسمة المال بين الورثة أولو القربى مِمَّن لا حق لهم في الميراث، أو اليتامى أو المساكين فارزقوهم منه، وهذا على النَّدب والاستحباب، وإلا فليقولوا لهم قولًا معروفًا إذا كان الميراث ممَّا لا يمكن العطاء منه كالأرض والعقارات.
وهذا التلطف والإحسان ليس مع الإنسان فحسب بل حتى مع الحيوان، فالكلب مثلا قانع ناظر، قانع بما يُقدم إليه من طعام ولا يتطلع إلى غيره أو يخطفه، وناظر إلى يد متخذه أي دائم الترقب والانتظار لما تجود به يد صاحبه، فهو يحفظ له هذا الفضل ولا ينكر إحسانه، فطبيعة الكلاب وفيّة، ولا تملك من أمر رزقها شيئاً سوى ما يمنحه لها صاحبها، ففي الإحسان إليها أجر، وفي إهمالها تقصير، وفي الإساءة إليه وزر.