رئيس مجلس الإدارة
شريف عبد الغني
رئيس التحرير
ناصر أبو طاحون
رئيس التحرير التنفيذى
محمد عز
الأخبار العاجلة :
  1. الرئيسية
  2. وجهات نظر

الدكتور محمد سيد أحمد يكتب: تسريب امتحانات الثانوية العامة.. جريمة تهدد العدالة التعليمية

لم تعد ظاهرة تسريب امتحانات الثانوية العامة في مصر مجرد تجاوزات فردية أو حالات غش محدودة، وإنما تحولت إلى أزمة مجتمعية حقيقية تهدد مبدأ تكافؤ الفرص، وتقوض الثقة في منظومة التعليم بأكملها. والأكثر خطورة أن هذه الظاهرة تتكرر عامًا بعد عام، رغم كل الإجراءات التي تعلنها الدولة ووزارة التربية والتعليم، في مشهد يدعو إلى القلق والتساؤل: لماذا لم ننجح حتى الآن في القضاء على هذه المهزلة السنوية؟

لقد شهد اليوم الأول لامتحانات الثانوية العامة هذا العام واقعة صادمة، عندما تبين بعد انتهاء امتحان اللغة العربية أن ورقة الأسئلة كانت متداولة على مواقع وصفحات الغش الإلكتروني، وعلى رأسها ما يعرف بـ"شاومينج"، منذ الساعة الثانية بعد منتصف الليل، أي قبل بدء الامتحان بساعات طويلة. وبالطبع فإن الأمر لا يتعلق بالغش فقط، بل يمثل اختراقًا خطيرًا لمنظومة الامتحانات، يستوجب تحقيقًا شفافًا ومحاسبة كل من تورط فيه.

بوصفي أستاذًا في علم الاجتماع السياسي، فإنني أنظر إلى هذه الظاهرة باعتبارها مؤشرًا على أزمة أعمق تتعلق بقيم العدالة والثقة في المؤسسات. فحين يشعر الطالب المجتهد بأن مجهوده طوال عام كامل يمكن أن يضيع بسبب طالب آخر حصل على الإجابات كاملة عبر سماعة دقيقة مخفية داخل أذنه، مرتبطة بشريحة اتصال، فإن الرسالة التي يتلقاها هذا الطالب هي أن الاجتهاد لم يعد الطريق الوحيد للنجاح، وأن التحايل قد يحقق ما لا تحققه المثابرة.

وللأسف، لم يكن هذا الأمر بالنسبة لي مجرد تحليل أكاديمي، بل تحول إلى معاناة شخصية هذا العام. فقد بذل نجلي، وهو طالب بالثانوية العامة، جهدًا كبيرًا في المذاكرة طوال العام الدراسي، وحرم نفسه من كثير من أوقات الراحة والترفيه، أملاً في تحقيق حلمه بالالتحاق بالكلية التي يتمناها. دخل امتحان اللغة العربية وهو مستعد علميًا، لكنه فوجئ بامتحان شديد الصعوبة، خاصة في أسئلة النحو، فضلًا عن أن الوقت لم يكن كافيًا للإجابة بهدوء ودقة.

وعندما خرج من اللجنة، كانت الصدمة أكبر. فقد علم أن الامتحان كان متداولًا قبل انعقاده بساعات، وأن بعض زملائه كانوا يحملون سماعات دقيقة داخل الأذن، وتلقوا الإجابات الصحيحة كاملة أثناء الامتحان، رغم أن كثيرًا منهم لم يبذلوا الحد الأدنى من الجهد في المذاكرة طوال العام. هنا يفرض سؤال نفسه بقوة: أين العدالة؟ وكيف يمكن إقناع الطالب المجتهد بأن النظام التعليمي يكافئ التفوق الحقيقي؟

إن استمرار هذه الظاهرة لا يظلم الطلاب فقط، بل يرهق الأسر المصرية أيضًا. فكل أسرة تنفق آلاف الجنيهات على الدروس والكتب والمراجعات، وتتحمل ضغوطًا نفسية ومادية هائلة طوال العام، ثم تكتشف في النهاية أن بعض الطلاب يحصلون على الدرجات نفسها أو أعلى منها بوسائل غير مشروعة. إنها عملية استنزاف مادي ومعنوي لا يمكن القبول باستمرارها.

ولا يكفي بعد كل امتحان الإعلان عن ضبط بعض حالات الغش أو القبض على أفراد محدودين، لأن المشكلة أصبحت أكبر من ذلك بكثير. المطلوب هو مراجعة شاملة لمنظومة تأمين الامتحانات، وتطوير وسائل الكشف عن السماعات الإلكترونية الدقيقة، وتشديد العقوبات على كل من يشارك في تسريب الامتحانات أو تنظيم شبكات الغش الإلكتروني، مع محاسبة أي مسؤول يثبت تقصيره في حماية سرية الامتحانات.

كما أن مواجهة هذه الأزمة لا تقتصر على الجانب الأمني فقط، بل تتطلب أيضًا بناء ثقافة مجتمعية تعيد الاعتبار لقيمة الاجتهاد والنجاح المستحق، وترسخ لدى الطلاب أن الغش ليس مهارة، وإنما اعتداء على حقوق الآخرين، وإهدار لمبدأ المساواة الذي يجب أن تقوم عليه العملية التعليمية.

إن الثانوية العامة ليست مجرد امتحانات، بل هي محطة فاصلة في مستقبل مئات الآلاف من الشباب المصري. وإذا فقد المجتمع ثقته في عدالتها، فإن الخسارة لن تكون مقصورة على الطلاب المجتهدين، وإنما ستمتد إلى المجتمع كله، الذي يحتاج إلى الكفاءة والاستحقاق أكثر من أي وقت مضى.

لقد آن الأوان لوقفة حاسمة تنهي هذه المهزلة السنوية، وتحفظ حقوق الطلاب الذين اجتهدوا بصدق، وتعيد الثقة في مؤسسات الدولة، لأن العدالة التعليمية ليست رفاهية، وإنما هي أساس بناء مجتمع يؤمن بأن العمل والاجتهاد هما الطريق الحقيقي للنجاح، وليس الغش أو تسريب الامتحانات، اللهم بلغت اللهم فاشهد.

بقلم/ د. محمد سيد أحمد