ليست عادتي ان أشارك الناس همومي ومشاعري أو أن استخدم السوشيال ميديا في أحداثي اليومية بخلاف عملي الصحفي الذي أمتهنه وأحبه وغالبا لا أنشر ما أكتب علي السوشيال ميديا وما زلت محتفظا بل وفخورا بكوني جورنالجي " كتوبة " أكتب ومنبري صحفي بضم الصاد وجرائدي التي أعمل بها.
أليست هذه المنابر كافية ووافية لأكتب ما حرره قلمي وأفتخر بما أردت نشره في كافة المجالات السياسية والإجتماعية والإقتصادية ؟
وفي 30 يونيو من كل عام تحل ذكرى وفاة والدي عليه رحمة الله ، ولكني لأول مرة أبيت أن أكتب عن أحزاني وآلامي أو أشغل الناس بها ململما وجعي بداخلي بل اختليت بنفسي ليلة كاملة في الأرض مشعلا النار والشاي الذي كان يحبه أبي متذكرا كل لحظة وكل ثانية وكل همسة أو إشارة أو قصة من حكايات ابي عليه سحائب رحمات الله
ولكن فاجئني فضيلة الشيخ أحمد عباس الحيلة فارس المنبر ومروض الحرف ومطوع اللغة ، قارئ التاريخ والسياسة واستاذ الشريعة والأصول والمتخصص في الدراسات الإسلامية والحافظ للفقه علي المذاهب الأربع ، المحب لكل ما هو أصلي وأصيل بنشر مقال عن والدي في ذكرى وفاته وانهالت التعليقات من أهلي وناسي بنشر الدعوات الطيبات لأبي رحم الله أبي فقد يرحل الرجل وتبقي ذكراه أو كما قيل يذهب الجسد ويبقي الأثر
واللـه يا شيخ أحمد قلّبت عليّ مواجعي، أو بعبارة أجدى وأصح صحيت كل آلام نفسي وبدني نشرت ما كتمته أنا ولملمته جوايا أيقظت غول فراقي، وحطمت جدران ذاكرتي التي بنيتها بداخلي بل كسرت درجي المغلق علي أحزاني لتنطلق منه ذكريات كتمتها وحزن أغلقت قلبي عليه، ونجحت كعادتك في النجاح أن تسحب من تحت رأسي وسادة الراحة فأي راحة في غياب أبي هي عذاب
عودتني يا أبا إبراهيم كلما عدت من سفرك ورحيلك أن تأخذني في حضنك المليء بالحب والمودة والشوق وتدعوني لفنجان قهوة مميز وتكرمني في الزيارة بحبك وكرم ضيافتك فلماذا الآن ترزعني في حائط ذكرياتي دون أن تقصد تسير بي فوق شوك مدمي وتذكرني بوصية أبي وحب أبي للشيخ محمد بسيوني وما زلت تحفظ وتعي ما أحب أبي وهوايات أبي وطبيعة ابي وابتسامة أبي ورجولة أبي
مقالك يا شيخ أحمد تخطي كونه مرثية لأبي أحمد إبراهيم عز إلي مرثية لكل ما هو أصيل وجميل مرثية للأصل والتاريخ ، تجوالى الحزين بين سطور مرثيتك التي قرأتها أكثر من مرة هي مرثية لكل أب وكل جد وكل تاريخ جميل واصيل رأيت بين طيات كلماتها صور كل الراحلين العظماء من أبناء قريتي ومعارفي
أخذت يا مولانا بناصية مشاعرى وعصرتني في خلجات صدرى من غير قصد منك لتنسدل مشاعري على جميع الآباء وجرجرت معها جميع الذكريات الطيبة والمواقف النبيلة.
كتبت يا مولانا بلحظات صدق مشاعرك ولم لا فأنت ابن الشهم الكريم الأصيل صاحب السيرة العطرة المهندس عباس الحيلة عليه رحمات الله ، واخوالك الطاهرين من الصالحين فكتب سيرة موجعة وويل من قلمك وما يسطر ليحتوينى مقالك بالكلية ويأخذني شعور كامل باليتم لا أعرف يتمك أنت أم يتمي أنا أم يتمنا معا؟ فلقد تربينا في قريتنا الحبيبة علي كلمة ابويا فلان وكل أهل البلد أبويا قبل ان يظهر مصطلح عمي فلان وهو ما ذكره أخي الغالي محمد سرور عز في تعليقه روح لأبوك أحمد أبو عز وكل أهل البلد آبائي وأعمامي وأخوالي
وجعت قلبي يا مولانا وأنت تذكرني بوصية أبي الكاملة ووقفتي علي عتبات مسجد الرحمة وأنا أقول بأعلى صوتي أشهدك يا الله أن تحملت كافة ديون أبي المادية والمعنوية ومن كان له دين مادي عند أبي فقد تحملته في رقبتي ،ومن كان له دين معنوي فليأت ويقتص مني، لأول مرة في حياتي أتحمل أنا عن أبي شيئا فقد تحمل هو عني كل شيء علي مدار 43 سنة هي عمري معه لم يحملني شيء اي شيء بل وفر لنا كل شيء
هذه المرة يا ابي هزمك موتك، لأول مرة يا أبي تتركني اتحمل شئ لأول مرة يا أبي تهزمني قلة حيلتي وهواني عليك وأنت تاركني وراحل ، نطقت وصرخت يا الله حكمت ولا معقبك لحكمك قضيت ولا راد لقائك ولولا الرضى بقضاء اللـه وقدره لذهب العقل ووقف القلب وشلت الايدي وطلقنا الدنيا ثلاثة لا رجعة فيها واعتكفت علي قبرك في انتظار أمر الله باللحاق بك ، فمن يستطع أن يترك صحبتك ومحبتك وحنانك وفيض امانك حتي وأنت في قبرك يا أبويا الحج أحمد عز
نجحت يا عم الشيخ أحمد يا عباس أن تعرض علي شريط كامل عن أبي حياته ومماته وبينهما مرضه اللعين أفراحه وأتراحه قهره وصبره دينه ومسجده بيته ومطرحه يسره وعسره ريفيته الأصيلة، صلابته وهشاشته أحيانا حسمه وفصله حبه لكل ما هو حق وأصيل، وفائه لأهله وعائلته ، وإخلاصه لجدي لأمي وأخوالي
أبي يا شيخ أحمد كان هو القريب البعيد لدرجة ان يصاحب أصحابي ويحبوه أكثر مني ويجالسوه في غيابي، أبي كان هو الاحتواء وصاحب العتاب الشفيف والقول الفصل في كل مسائل الحق لم يداهن يوما ولم يرائي احد مهما كان ، كان هو المدخل والمخرج والإطار وصلة الرحم وذوي القربى دون ان يسأل أحد عن ذلك أجرا
وقف الأحباب يوم الثلاثين من يونيو حريصون علي إكرامه ميتا كما أكرمهم حيا ، ومن يكرمني أنا ببقائه جانبي فلم تكن السنوات الثلاث وأربعون كافية لأشبع منه ، عشمي في الجنة لأبي كبير وهو كان علي ثقة من ذلك وكررها مرارا انا لا أخشي الموت وعارف إني هموت ونبوءته بكيفية وفاته ووقتها ، ولكن جنتي أنا في قرب أبي وبقاء أبي وصوت أبي وحذاء أبي علي باب البيت
لم اخشي علي ابي يا عم الشيخ أحمد من ضمة القبر فقد تكون أهون من ضمات الدنيا ومصائبها وتعبها وشقائها تعب أبي كثيرا ولكنه كان بينه وبين ربه عمار يعرف الحلال من الحرام ودائم الدعاء اللهم أرنا الحق حقا ارزقنا اتباعه ، القبر هو نقطة تحرر لأبي من مرضه وضعفه فقد ابي ان يسنده أحد في عز مرضه ورفض ذلك محتميا بعصاته التي كانت خير صديق له في حياته ومرضه، بل إن الحياة بالنسبة لابي كانت قاسية وبموته نال الحرية الكاملة، تحرر من ضعفه ومرضه وألمه ونال حريته التي قضاها الله له
أبويا يا عم الشيخ أحمد سامحني فى كل شيء إلا فى تأخرى عليه فكان يسهر طوال الليل أمام باب الشقة