رئيس مجلس الإدارة
شريف عبد الغني
رئيس التحرير
ناصر أبو طاحون
رئيس التحرير التنفيذى
محمد عز
  1. الرئيسية
  2. وجهات نظر

حسام فوزي جبر يكتب .. المستحيل لم يكن يومًا مصريًًا

هناك مباريات تُحسم بنتيجة، وهناك مباريات تُكتب في التاريخ لأنها تعيد تشكيل الوعي وتوقظ مشاعر الانتماء ولكن ما فعله منتخب مصر في كأس العالم لم يكن مجرد تأهل إلى دور الـ16، بل كان رسالة بأن هذا الوطن لا يزال قادرًا على الإنجاز وأن الشخصية المصرية تظهر دائمًا عندما يظن الجميع أنها انتهت، فهذا المنتخب لم يلعب كرة القدم فقط، بل لعب بروح المصريين روح لا تعرف الاستسلام ولا تستسلم للضغوط ولا تؤمن بأن المستحيل كلمة يمكن أن تُكتب في قاموسها، رجال حسام حسن نجحوا فيما فشل فيه كثيرون قبلهم فقد حفظوا لمنتخب مصر مكانًا بين كبار العالم وأعادوا إلى الجماهير شعورًا افتقدته طويلًا وهو أن المنتخب يقاتل من أجل القميص ومن أجل العلم ومن أجل اسم مصر.

فكل اللاعبين كانوا رجالًا بحق قد يختلف الناس في تقييم هذا اللاعب أو ذاك لكن لا أحد يستطيع أن ينكر حجم المجهود والالتزام الذي قدمه الجميع طوال البطولة ولهذا أجد نفسي مطالبًا بالحديث عن محمد هاني، لأنه أكثر من تعرض للانتقاد بعد الهدف العكسي الذي سجله للمرة الثانية في مرماه فكرة القدم لعبة أخطاء قبل أن تكون لعبة مهارات والأهداف العكسية جزء منها وقد وقع فيها أعظم المدافعين في تاريخ اللعبة لكن من الظلم أن يُختزل أداء لاعب في لقطة واحدة بينما يقدم واحدة من أفضل بطولاته بقميص منتخب مصر، محمد هاني قاتل في كل مباراة وأدى واجباته الدفاعية والهجومية بكل إخلاص ويستحق الدعم أكثر من اللوم، وفي وسط الملعب يقود محمد صلاح هذه المجموعة بهدوء الكبار لم يعد صلاح مجرد نجم عالمي بل أصبح قائدًا حقيقيًا يعرف كيف يمنح زملاءه الثقة قبل أن يمنحهم التمريرات الحاسمة وجوده داخل الملعب يمنح المنتخب شخصية مختلفة، ويجعل الجميع يشعر بأن هذا الفريق قادر على مواجهة أي منافس.

وشهدت البطولة ميلادًا جديدًا لحارس كبير أسمه مصطفى شوبير والذي أثبت أنه يملك شخصية الحراس الكبار وقدم نفسه بصورة تدعو للفخر لتؤكد الكرة المصرية مرة أخرى أنها لا تتوقف عن إنجاب المواهب والأمثلة كثيرة في هذا الجيل لكن أكثر ما أعجبني في هذه البطولة لم يكن داخل الملعب فقط فقد كان حسام حسن، وأعرف جيدًا أن الرجل تعرض لانتقادات لا حصر لها منذ توليه المسؤولية البعض انتقد اختياراته والبعض شكك في قدرته والبعض كان ينتظر أول تعثر ليعلن فشل التجربة لكن حسام اختار الطريقة التي يجيدها دائمًا وهي الرد في الميدان وميدان حسام دائمًا هو الملعب، فلم يدخل في معارك كلامية، ولم ينشغل بالرد على أحد، بل ترك لاعبيه يتحدثون بالنتائج، حتى جاء التأهل الذي أسكت كثيرًا من الأصوات الكارهة من أشباه المصريين ومن المتفذلكين الذين يجب علينا مقاطعتهم، ثم جاء المشهد الذي أراه من أبرز لقطات البطولة كلها عندما رفع علم فلسطين عقب مباراة أستراليا وأهدى الفوز للشعب الفلسطيني الشقيق لم يكن المشهد سياسيًا بقدر ما كان إنسانيًا يعبر عن موقف رجل لم يتخل عن قناعاته وهو يعيش أهم لحظات نجاحه، وقبلها بأيام كان قد رفض حسام ورجال مصر المشاركة في رفع علم قوس قزح انطلاقًا من قناعاته الوطنية والدينية قبل الشخصية ثم رفع علم فلسطين بعد التأهل ليؤكد أن الإنسان قد يختلف معه البعض أو يتفق لكنه يظل صاحب موقف واضح لا يتبدل بتبدل الظروف.

ولعل هذا ما أثار ردود فعل غاضبة داخل بعض وسائل الإعلام الإسرائيلية وعلى عدد من منصات التواصل لكن حسام لم يكن منشغلًا بكل ذلك لأنه كان قد قال كلمته بالفعل سواء في الملعب أو خارجه، أما أنا فلدي حكاية مختلفة مع حسام حسن كنت وما زلت وسأظل أهلاويًا حتى النخاع لم أشجع حسام عندما كان لاعبًا في نادي الزمالك، ولم أكن أتابعه إلا عندما يرتدي قميص منتخب مصر أتذكر جيدًا بطولة بوركينا فاسو 1998، يومها لم أر لاعبًا زملكاويًا، بل رأيت مهاجمًا مصريًا يدافع عن علم بلده، فشجعته بكل قلبي، وعاد حسام كرر الأمر في 2006 وعدت أنا وكررت الأمر معه لا تفضلًا مني بل واجبًا عليّ لأنني مصري وهو يلعب بإسم مصر فمن الطبيعي أن يجمعنا نفس الإتجاه الرغبة في تحقيق إنتصارات لمصرنا الغالية، واليوم أكرر الشعور نفسه وهو يقود المنتخب من خارج الخطوط فعندما يتعلق الأمر بمنتخب مصر تذوب كل الانتماءات ولا يعود هناك أهلاوي أو زملكاوي أو إسماعيلاوي أو محلاوي اتحادي، بل يبقى شيء واحد فقط هو مصر، هذه هي الفكرة التي تربينا عليها، والتي يجب أن تبقى دائمًا أقوى من أي انتماء آخر قد نختلف طوال الموسم داخل المدرجات وقد نحتفل أو نحزن بحسب نتائج أنديتنا لكن عندما يرتدي لاعب أو مدرب قميص منتخب مصر يصبح واجبًا علينا أن نقف خلفه لأن نجاحه ليس نجاح شخص بل نجاح وطن، وهنا أجدد الدعوة لهؤلاء الشاردين المشككين كفاكم هراء وأنضموا لركب النجاح واعلنوا ندمكم ودعمكم لمصر ومنتخبها ولاعبيها ومدربها اعدموا وطنكم وكفوا عن المزايدات.

وخلال الفترة القليلة الماضية لم يكد يمر قرار أو مباراة إلا وتحول إلى مادة للهجوم والتشكيك فقيل إن ضم حمزة عبد الكريم هدفه تسويقه لينتقل من الأهلي إلى برشلونة وأن استبعاد مصطفى محمد جاء بسبب رفضه الانضمام للأهلي وأن استبدال محمد صلاح أمام بلجيكا كان بدافع المجاملة ثم خرج من يزعم أن استبداله أمام إيران كان تمثيلية متفقًا عليها بل وصل الأمر بالبعض إلى إعلان أنهم لن يعترفوا به مدربًا حتى لو فاز بكأس العالم وعندما تعادل مع بلجيكا سمعنا من يقلل من قيمة المنتخب البلجيكي رغم أنه كان أحد أقوى منتخبات البطولة وأقصى أسود السنغال بعدها وعندما فاز على نيوزيلندا قيل إن نيوزيلندا لا تملك تاريخًا كرويًا وكأن الانتصارات تُمنح مجانًا وحين تأهل منتخب مصر إلى دور الـ32 خرج من يهون الإنجاز بحجة أن كل منتخبات إفريقيا صعدت قبل أن تثبت البطولة نفسها خروج جنوب إفريقيا وكوت ديفوار والكونغو والسنغال والرأس الأخضر ويبقى منتخب مصر وحده ممثلًا للقارة في الأدوار المتقدمة رفقة المغرب فقد كانت هناك رغبة واضحة لدى البعض في أن يسقط المنتخب حتى يثبتوا صحة آرائهم لكن كرة القدم لا تعترف بالضجيج والصياح وإنما تعترف بما يحدث داخل المستطيل الأخضر، واليوم وبعد أن أصبح حسام حسن أول مدرب يحقق لمصر أول فوز في تاريخها بكأس العالم وأول تأهل من دور المجموعات وأول وصول إلى دور الـ16 وبعد سلسلة من أربع مباريات دون هزيمة ومع واحدة من أفضل بطولات المنتخب لم يعد النجاح مجرد وجهة نظر الأهم من ذلك أن الإشادة جاءت من أساطير الكرة العربية والعالمية ومن محللين ومواقع رياضية دولية بينما ظل بعض أبناء الداخل أسرى لمواقف مسبقة لا علاقة لها بكرة القدم والحقيقة التي لا يمكن إنكارها أن حسام حسن لم ينجح بالحظ ولم ينجح بالمجاملات ولم ينجح بحملات الدعم بل نجح بتوفق الله ثم بعمله وبشخصيته وبإصراره (بالبلدي نجح بذراعه)، وفرض على الجميع احترام ما حققه مع منتخب مصر، ولذلك أقولها من جديد أيها الشاردين كفوا وسنسامحكم فقط اعلنوا توبتكم وتبرأوا من أفعالكم وأقوالكم واقبلوا علي دعم مصر ليس إلا، أو موتوا بحسرتكم وغلكم وبغضكم.

الآن ينتظرنا اختبار هو الأصعب أمام منتخب الأرجنتين، نعرف قيمة المنافس وندرك حجم نجومه وتاريخه لكننا أيضًا نعرف قيمة منتخبنا ونؤمن به لما لا وهو الذي أعاد إلينا الثقة وأثبت أن الإرادة قد تصنع ما تعجز عنه التوقعات ونعلم لن تكون المباراة سهلة وربما تكون الأصعب في مشوار البطولة التي إرتفع سقف طموحنا فيها بسبب حسام ورجاله وقبلهم توفيق الله، لكن من كان يصدق أصلًا أن مصر ستصل إلى هذه المرحلة بهذا الأداء وهذه الروح؟ لهذا لن أتعامل مع مباراة الأرجنتين بالخوف بل بالأمل وقد نفوز وقد نخسر فهذه هي كرة القدم لكنني على يقين بأن رجال حسام حسن أبناء مصرنا الغالية علينا سيدخلون اللقاء وهم يحملون الشيء الذي أوصلهم إلى هذا اللقاء الثقة بالله والإيمان بأنفسهم، والإيمان بمصر ولهذا أقولها وأنا مؤمن بها كما لم أؤمن بها من قبل، الفوز على الأرجنتين ليس مستحيلًا لأن المصري إذا قرر أن يكتب التاريخ فإنه يكتبه.

فالمستحيل لم يكن يومًا مصريًا….