لم تعد ملاعب كرة القدم مجرد بساط أخضر يُقاس فيه النصر بعدد الأهداف والالتزام باللوائح، بل تحولت في المونديال الحالي إلى مرآة عاكسة لسطوة النفوذ السياسي الأمريكي الذي لا يعترف بالخطوط الحمراء، حتى وإن كانت تلك الخطوط هي قوانين اللعبة الأكثر شعبية في العالم
ففي سابقة تاريخية هزت أركان الساحرة المستديرة، تراجع الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) بشكل مفاجئ عن عقوبة الإيقاف المترتبة على طرد المهاجم الأمريكي "فولارين بالوغون" .. لتكشف هذه الحادثة الصادمة عما هو معلوم للجميع بشأن الهيمنة الأمريكية، وكيف تُطوع الهيئات الدولية لخدمة مصالح واشنطن .
بدأت الأزمة عقب مباراة المنتخب الأمريكي ضد نظيره البوسني في دور الـ32، عندما أشهر الحكم بطاقة حمراء مباشرة بوجه هداف أمريكا بالوغون إثر تدخل عنيف، وهو ما يعني تلقائياً غيابه عن مواجهة ثمن النهائي الحاسمة ضد بلجيكا وفقاً للمادة الصارمة في قانون الفيفا التي لا تجيز الاستئناف على عقوبات الطرد المباشر.
لكن خلف الكواليس تحركت الآلة السياسية الأمريكية، إذ أكدت التقارير الصحفية العالمية قيام الرئيس الأمريكي دونالد ترامب باتصال هاتفي مباشر برئيس الفيفا جياني إنفانتينو للاحتجاج على القرار وتغيير مسار العقوبة. ولم يمر وقت طويل حتى انصاعت لجنة الانضباط في الفيفا للرغبة الأمريكية، معلنةً تجميد العقوبة لمدة عام وإتاحة اللاعب للمشاركة فوراً، مستندة بشكل واهٍ إلى "المادة 27" من لائحة الانضباط، وهي خطوة قوبلت بابتهاج ترامب الذي سارع لشكر الفيفا عبر منصاته لـ"تصحيحه ما وصفه بالظلم الكبير".
هذا التراجع غير المسبوق أشعل موجة عارمة من الغضب والتشكيك في نزاهة البطولة ومصداقية الفيفا، وجاءت ردود الفعل قوية وحاسمة
من جانبه اصدر الاتحاد الأوروبي لكرة القدم (UEFA) بياناً لاذعاً أكد فيه أن الفيفا "تجاوز الخطوط الحمراء"، وأن هذا القرار "غير مفهوم وغير مبرر ويهدد نزاهة اللعبة ومبدأ اليقين القانوني".
اما الجانب البلجيكي فقد أعرب اتحاد اللعبة عن ذهوله وصدمته، فيما سخر مدرب منتخب بلجيكا، رودي غارسيا، من القرار واصفاً إياه بأنه أشبه بـ "كذبة أبريل ولكن في يوليو"، مؤكداً أن الاستثناء يضرب مبدأ المساواة والعدالة بين المنتخبات في مقتل.
كما انتقد رئيس الفيفا السابق، سيب بلاتر، هذا التدخل مشدداً على أن "البطاقات الحمراء لا تُلتغى بالمكالمات السياسية"، بينما وصف النجم الإنجليزي السابق واين روني القرار بأنه "وصمة عار مطلقة".
إن هذه الواقعة لا يمكن قراءتها بمعزل عن السياق السياسي والجيوسياسي الدولي؛ فهي تجسد بدقة المنهج الأمريكي التقليدي في التعامل مع المنظمات الدولية والمواثيق العالمية. فعندما تجد واشنطن أن القواعد واللوائح — التي ارتضاها الجميع — تقف عائقاً أمام مصالحها أو تحرم فريقها من نجمه الأول في بطولة تقام على أرضها، فإنها لا تتردد في استخدام ثقلها السياسي لإجبار قادة هذه المنظمات على الخضوع والالتفاف على اللوائح.
لقد بدا رئيس الاتحاد الدولي، جياني إنفانتينو، في موقف ضعف واضح، حيث تلاشت شعارات "استقلالية الرياضة عن السياسة" أمام الرغبة الرئاسية الأمريكية. إن طوعية الفيفا في تغيير الأحكام النافذة لخدمة الفريق الأمريكي يعيد إلى الأذهان كيف تُدار دفة الأمور في مؤسسات دولية أخرى، ليثبت المونديال مجدداً أن القوانين في هذا العالم تصبح مرنة ومطاطة فقط عندما يتعلق الأمر بالعم سام، بينما تُطبق بحذافيرها وبكل قسوة على بقية أطراف الأرض ..