لا شك أن التوجيهات الرائعة للرئيس السيسي فيما يتعلق بواقعنا الحزبي السياسي والمجتمعي، أنقذت الوطن من الانهيار الحزبي الكامل، والتصدع المجتمعي، والتدني السياسي الذي فاق الوصف، بل إنها حطمت حاجز التردي الذي طال الأفهام، وسجل تاريخياً إنقاذه لتاريخ مصر المحلي العظيم، قبل أن يتلاشى من الوجود ويصبح ذكرى تتناقلها الأجيال على سبيل التندر لا الفخر. وكذلك أعادت الزخم الحزبي الذي تلاشى من واقعنا منذ سنوات طوال، لكن أعقب ذلك جدل شديد حول آلية التطبيق، ومدى القدرة على جعل تلك التوجيهات واقعاً حقيقياً؛ أسئلة كثيرة حائرة نبحث لها عن إجابة.
من المؤلم أن أقول إن كثيرين بالأحزاب ومتصدري مشهدهم -خاصة أحزاب ما تسمى بالأغلبية وحتى المصنفة معارضة والمستقلة- لم يستوعبوا جميعاً حتى الآن رسالة الرئيس الرائعة، ولم يدركوا مبتغاها النبيل. ودلالة ذلك ما أرصده من الجدل الدائر داخل الأحزاب، المتبوع بنقاشات وخلافات داخل الأحزاب المصنفة أغلبية، واتصالات غير رسمية بين قادة بجميع الأحزاب للتنسيق فيما بينهم بغية الاتفاق على نسبة كل حزب من المقاعد حال وضوح معالم أعداد المجالس، وهي ما تسمى "بالكوتا"، وذلك على خلفية الزخم الذي يدور داخل الأحزاب المصنفة أغلبية لرغبة كل عضو في الحصول على عضوية مجلس محلي المحافظة، على أساس أنهم يعتبرون أنفسهم قيادات حزبية، وما يطلبونه من مقاعد هو في إطار عضوية المجالس المحلية التي طالب بها الرئيس.
جاء الخلاف على أرضية أنها حق مكتسب سيتم توزيعه على "البهوات" بتلك الأحزاب، و"طز" في إرادة المواطن لقناعتهم أنها ستكون شكلية، وكأنهم فهموا توجيهات الرئيس بالعكس، وتلك كارثة حقيقية؛ بل إن القناعة لديهم مستقرة أن دخولهم المحليات أمر محسوم ومقرر، لأنه في تقديرهم سيتم وفق توازنات بين الأحزاب، ولأنهم يعتقدون أن من سيتم ترشيحه ناجحٌ ناجحٌ ولا عزاء للإرادة الشعبية! وهذا لا شك يصدر إحباطاً شديداً، ويدفع لمزيد من عزوف الناخبين، ويعمق الفجوة. وبذلك تضيع الفرصة الذهبية التي منحها الرئيس لواقعنا السياسي، من أجل ذلك إذا لم يتم تنفيذ رغبة الرئيس وفق آليات تعظم الإرادة الشعبية، سيكون المردود كارثياً، وهو مزيد من الاضمحلال والانعزال. وتأثراً بذلك كان السؤال الذي يتردد على ألسنة المصريين: هل ستجرى انتخابات المحليات وفق إرادة شعبية حقيقية أم عبر "كوتا" في قائمة تضم المحظوظين وترجع ريما لعادتها القديمة؟
لعل توجيهات الرئيس فرصة ذهبية ليتوقف المنتمون لأحزاب الحظوة عن الضجيج والصخب اللذين يصدرونهما في الفعاليات الدراماتيكية، وينطلق المنتمون للأحزاب المصنفة معارضة ومستقلين من مقراتهم بعد طول انعزال، ويتلاحموا مع الجماهير بجد، ويتبنوا قضاياهم بصدق، ونرى للمتخصصين منهم دراسات تتعلق بحلول لمشاكلنا، ويتلاشى الموروث البغيض من مهرجانات و"هيصة" وزخم لا طائل منه منافسةً لأحزاب الحظوة، حتى أصبحنا نسمع ضجيجاً ولا نرى طحناً.
أتفق تماماً مع ما طرحه القيمة الكبيرة معالي الوزير المهندس محمد عبد الظاهر -أبو الحكم المحلي- بحتمية صدور قانون الإدارة المحلية الجديد متوافقاً مع الدستور قبل الانتخابات المحلية، على أن يتولى ذلك خبراء دارسون للأنظمة المحلية الناجحة والمستقرة في العالم، ومدركون لأهمية الإدارة المحلية للمواطنين، ودور وفلسفة الإدارة المحلية وفنياتها، وآليات العمل فيها، ومشاكلها، والعلاقة بين الوزارات المركزية والمحافظات المحلية وصلاحيات كلا منهما، لفض التداخل والتشابك فيما بينهما. وكذلك العلاقة بين المجلس المحلي المنتخب والجهاز التنفيذي المعين وصلاحيات كل منهما، من أجل التكامل فيما بينهما لخدمة المواطن، وضرورة الانتباه إلى أن المجلس المحلي والجهاز التنفيذي وجهان لعملة واحدة في باب السلطة التنفيذية، ولا يجب أن يعلو أحدهما على الآخر لكي يتعاونا من أجل تقديم خدمات أفضل للمواطنين. وكذلك لا يجب أن يكون انتخاب المجلس المحلي بنظام القوائم لعدم دستورية ذلك -كما أكد المهندس محمد عبد الظاهر- لأن القوائم غير منصوص عليها في باب الإدارة المحلية مثل مجلس النواب، كما أنها لا تحقق الغرض من وجود المجلس المحلي ودوره. يبقى السؤال: هل سنرى انتخاباتٍ المنافسةُ فيها حقيقية وينجح من يحوز ثقة الناس بجد، أم سيكون الحصول على عضوية المجالس المحلية وفق آلية أصحاب الملايين ومن يرضى عنهم قادة الأحزاب والأجهزة؟
خلاصة القول.. لتفعيل توجيهات الرئيس السيسي بشأن تنشيط الأحزاب، والاستعداد لانتخابات المجالس المحلية، يتعين التأكيد على تعظيم الإرادة الشعبية، وأنها الآلية الوحيدة لاختيار الناخبين، وإصدار تشريعات جديدة للإدارة المحلية، خاصة قانون الإدارة المحلية الجديد، يليه قانون تقسيم الدوائر لتحديد مسار التنافس وتوزيع السلطات الرقابية والتنفيذية، وإعداد كوادر شبابية من القيادات المؤهلة لإدارة الشأن المحلي، وتفعيل مخرجات الحوار الوطني، وإطلاق مبادرات ميدانية حزبية للتواصل المباشر مع المواطنين لحل مشكلاتهم اليومية وتقديم برامج واقعية؛ بمعنى تحويل الأداء الحزبي من العمل المكتبي إلى العمل الميداني من خلال إطلاق مبادرات خدمية تلامس هموم المواطنين في مختلف المحافظات، وتشجيع التحالفات الحزبية وتنسيقيات شباب الأحزاب على إطلاق مبادرات لتعزيز الحماية الاجتماعية والتنمية المجتمعية، ودون ذلك لا يمكن أن نصل إلى نتائج حقيقية لتوجيهات الرئيس.