يقيناً.. الأحزاب جميعها فهمت بالمقلوب توجيهات الرئيس فيما يتعلق بأهمية وجود أحزاب قوية وفاعلة، لها قواعد جماهيرية حقيقية قادرة على التعبير عن المواطنين، وذلك بحسن نية لا شك في ذلك. ودلالة ذلك ما نرصده من تحركات بالشارع منذ توجيهات الرئيس، حيث يقوم كوادرهم الحزبية بالقرى والمدن بالتقاط الصور مع عمال النظافة التابعين لمجالس المدن والأحياء للإيهام بأن لهم دوراً في التصدي لتراكمات القمامة، وأنهم هم من يحركونهم ويساعدونهم على نظافة المدن والقرى.
وكذلك التقاط الصور مع مهندسي الطرق والفنيين الذين يمهدون الطرق ويعالجون ما اعتراها من خلل مثل المطبات والحفر، لتصدير صورة أنهم أصحاب هذا الإنجاز الهام ولولاهم ما تم شيء. ووصل الأمر إلى قيامهم بدور "شيخ الموقف" ومساعديه، حيث يقومون بدفع المسافرين لركوب الأتوبيسات والسيارات صباحاً، ليس بالقطع بالمجان وإنما يدفعها المسافرون طبقاً لتعريفة الركوب، وفور الانتهاء من أخذ "اللقطة" ينصرفون، وذلك للإيهام بأنهم هم من يتصدون لأزمة المواصلات.
وحتى في شوادر الخضار التي يفتتحها اللواء دكتور علاء عبد المعطي، محافظ الغربية، بالتنسيق مع رؤساء المدن والأحياء وإدارة الأسواق بالمحافظة ومديرية التموين للبيع بسعر مخفض للتخفيف عن المواطنين، حيث ينتشرون بداخلها بما يرتدونه من "جاكت" مطبوع عليه شعار الحزب للإيهام بأنهم هم صانعوها، وينصرفون عقب انصراف المحافظ. تلك التصرفات جميعها تتسم بعدم المعقولية لأنها تصب في محاولة إثبات الوجود على غير مردود حقيقي، وليس الأداء الحقيقي الفاعل والناجز الذي فهمناه من توجيهات الرئيس.
يتعين أن يعي قادة الأحزاب السياسية ومعاونوهم —وجميعهم محل تقدير واحترام— أن اكتساب القوة في الشارع والتأثير الجماهيري أمر رائع، ومبتغى نبيل يتعين أن ندفع به ونعظمه، لكن يتعين أن ندرك أنه لا يتحقق إلا من خلال صياغة برامج واضحة تمس احتياجات الشارع، وامتلاك كوادر جميعهم كفاءة، واستخدام آليات تواصل مبتكرة تعزز الثقة.
وهذا لن يتحقق إلا بالتواجد الدائم لقيادات الحزب بين المواطنين عبر العمل الميداني والاجتماعي، والاستماع المباشر لمشاكلهم، وإطلاق حملات ومبادرات ملموسة تساهم في تحسين مستوى المعيشة وتخفيف الأعباء، مما يربط مصداقية الحزب باحتياجات الناس، والتخلي عن الشعارات الفضفاضة، وتقديم حلول عملية للمشاكل، وتفعيل برامج محددة وقابلة للقياس في مجالات الاقتصاد، والصحة، والتعليم، والخدمات العامة، والالتزام بالصدق في طرح الأهداف، وإخضاع الحزب لمعايير الشفافية والمساءلة لكسب ثقة الناس، وإتاحة الفرصة للشباب لتولي مناصب قيادية وصناعة القرار داخل الحزب، فهم الأكثر قدرة على الابتكار والتواصل مع الشارع، وتبني القضايا المجتمعية من خلال طرح القضايا التي تهم الأسرة والشرائح المهمشة لضمان أوسع قاعدة من الدعم الشعبي، وتوجيه العمل الحزبي عبر أدلة التخطيط المعتمدة للتعامل مع الأزمات، والتكيف مع المتغيرات السياسية، وهذا لن يتحقق إلا بالاستعانة بالتخطيط الاستراتيجي، وإعداد كوادر حزبية قادرة على إدارة الشأن العام وخوض الانتخابات المحلية والبرلمانية باحترافية.
يبقى من الأهمية إدراك أن قوة النظام الحزبي وصلابته وفاعليته في الشارع وتأثيره على واقعنا السياسي لا ينطلقان من عدد الأحزاب المسجلة رسمياً في السجلات، وإنما بقدرتها على التأثير في الشارع والتواجد الحقيقي في الحياة اليومية للمواطن، خاصة ما يتعلق باحتياجاته، والتصدي لمعاناته، على أن يتم ذلك وفق رؤية سياسية فاعلة وليس شعارات ممجوحة لا وجود لها في الواقع، وكذلك مدى النجاح في إعداد القيادات، والمنافسة الحقيقية في خدمة الوطن والمواطن؛ ودون ذلك لا يمكن الإقرار بوجود حياة حزبية حقيقية.
بالمجمل، إذا فقدت تلك الأحزاب القدرة على امتلاك قواعد جماهيرية، ولم تعمل في إطار برامج محددة المعالم وواضحة، لن يكون لها أي تأثير في الشارع، كما أن مقرات الأحزاب الفخيمة ليست دليلاً على وجود حقيقي لها في الشارع، أو تأثير لدى الجماهير. الخلاصة.. قدرة أي حزب في التأثير على الرأي العام، والتناغم مع هموم المواطن وتقديم حلول واقعية لقضايا المواطنين بعيداً عن الشعارات والهتافات والبروباجندا هي ما يرسخ له وجوداً حقيقياً بالشارع وسط الناس.
خلاصة القول.. أثمن أي جهد يقوم به أعضاء الأحزاب يعود بالنفع على المواطنين، ويبني كوادر سياسية واعية وفاعلة، لكنني أتصور أن يقتصر دورهم على تحديد مناطق الخلل، ويتولى قادتهم ونوابهم أمر التواصل مع المسؤولين للقضاء على هذا الخلل، ومتابعة التنفيذ مع الجهاز التنفيذي المختص، والذي يملك الميزانية التي يتم الإنفاق منها لتصويب الخلل وفق آليات يحددها القانون، وتخضع لرقابة إدارية وقانونية. ولا ضير في أن يتم نشر ما يتم تحقيقه وإبراز دورهم في القضاء على الأزمات دون إغفال دور المسؤولين، أما الإيهام بأنهم هم من يقومون بذلك منفردين بلا تفاصيل عبر "اللقطة والشو"، فأمر خارج سياق المنطق والعقل، ويرسخ لعدم المصداقية.
يبقى أن كل ذلك مرهون تحقيقه بوجود خطوات عملية لإعادة هيكلة الأحزاب بدافع ذاتي من قياداتها، وهذا لن يتأتى إلا بإجراء مراجعات تشمل كيانها التنظيمي، ورؤيتها للقضايا، وتفاعلها مع الناس، وأن يكون العطاء دائماً ومستمراً طوال الوقت وليس وقت الانتخابات وفقط. يضاف إلى ذلك إجراء تحديث وتطوير لمنظومتها كاملة من القمة للقاع، على أن يكون المبتغى إعداد كوادر تحوز ثقة الناس، والتمسك بوجود أصحاب الخبرات في كافة التخصصات فاعلين داخل الأحزاب، أملاً في أن تكون الأحزاب بيوت خبرة حقيقية، يعظم دورَها وجودُ متخصصين وخبراء في كافة المجالات، خاصة الاقتصادية، والتعليم، والصحة، والإدارة المحلية، يتولون إعداد الدراسات، وتقديم البدائل لكافة القضايا. وإن تحقق ذلك فلا شك سيكونون شركاء في النجاح، بل وفي صناعة القرار، كما في دول عديدة حيث تُقدَّم حلول قابلة للتطبيق، دون المزايدة بمواقف سياسية، أو إحداث "شو" إعلامي يبدد أي جهد لعدم مصداقيته.