في محاولة للفهم: هل لأزمة "الخشن" تداعيات سلبية على الشركة المالية بكفر الزيات، وشركة أبوقير للأسمدة؟
لا أحد في هذا الوطن الغالي ضد الصناعة الوطنية، بل إن اليقين راسخ بأن دعمها واجب وطني.. ولا أحد في هذا الوطن الغالي لا ينزعج إذا طال أداء النظام المصرفي والبنوك أي تحفظ؛ لأنهما عصب الاقتصاد القومي.. ولا أحد في هذا الوطن الغالي لا يدرك أن تلك الغايات النبيلة تحتاج لتفعيلها الترسيخ للحقيقة التي يحدد معالمها قانون يتسم بالحسم والردع، وقادر على تحقيق الكثير من النجاحات، والنهوض بالأوطان، والحفاظ على النظام المصرفي، وردع كل محاولات النصب على البنوك، بل وتحقيق طموحات الشعوب في حياة معيشية كريمة. يُضاف إلى كل ذلك تحقيق نتائج إيجابية في كافة المجالات، وردع المتنطعين الذين يساهمون بتنطعهم في جعل كيان الدولة الاقتصادي هشًا بلا قيمة. ولعل تميز الأداء انطلاقًا من الأجهزة الأمنية وإنجاز أي مهمة يكلف بها أفرادها –حتى ولو كانت مدنية– يرجع بالأساس إلى أنها قائمة على الضبط والربط وإنفاذ صحيح القانون، ومن هنا ندرك أن التناغم مع القانون يساهم مساهمة فاعلة في ضبط الإيقاع بالوطن في كافة مناحي الحياة.
ذات يوم استشعرت كل تلك الثوابت الحياتية، خاصة ما يتعلق بالنظام المصرفي، حيث كنت في رحاب صديقي العزيز اللواء أحمد زكي مساعد وزير الداخلية عندما كان مأمورًا لمركز بلدتي "بسيون"، وكان يُعرض عليه أمر أرملة بسيطة مسكينة استدانت من البنك لتجهز ابنتها لكنها تعثرت في السداد، فقام البنك باتخاذ الإجراءات القانونية –وهذا طبيعي– وتم حبسها. ورغم ما اعتصم بالنفس من آلام تأثرًا بهذا الموقف الذي رأيت فيه تلك السيدة المسكينة ومن قامت بضمانها، بقدر ارتياحي لهذا الإجراء القانوني الذي رسخ لدي أنه لا تبديد لأموال البنوك وأنها في أمان، يبقى أنه يتعين علينا إنسانيًا أن نقف مع تلك السيدة، خاصة وأنها ليست من معتادي هذا التعامل مع البنوك، إنما غايتها كانت نبيلة وهي أن تستر ابنتها، وبفضل الله تم التواصل مع أهل الخير وتم إنقاذ تلك السيدة لأنها من "الغارمات". وقبل أشهر تابعت حالة أرملة كريمة طالها نفس الأمر، حيث حصلت على قرض لتزوج ابنتها ثم تعثرت نظير مرضها الشديد وأصبحت على مشارف السجن، حيث تقرر اتخاذ إجراء قانوني ضدها، فتدخل صديقي العزيز صانع الخير الحاج رمضان الشرقاوي وساهم في دفع الأقساط المتأخرة عليها، جزاه الله خيرًا.
انطلاقًا من ذلك، وحتى وقت قريب، كان النظام المصرفي مرورًا بأداء البنوك يمثل لدي ارتياحًا كبيرًا وثقة لا حدود لها، ليس من خلال الحصول على قرض –لأنني بفضل الله لم أحصل في حياتي على قرض من أي بنك– إنما من خلال متابعة بعض الأزمات في القروض عندما تشرفت بعضوية البرلمان، ومن خلال إدراك نهج الإدارة لدى أصدقائي الأعزاء: المحاسب محمد بركات رئيس مجلس إدارة بنك مصر منذ سنوات، والمحاسب عبد المنعم صحصاح أحد قامات بنك مصر ببلدتي بسيون وطنطا (رحمه الله)، والمحاسب إبراهيم الشرقاوي مدير فرع بنك مصر ببلدتي بسيون، والمحاسب باهر أبو طه مدير فرع البنك الأهلي ببسيون السابق، والمحاسب أحمد سمير أبو موسى مدير فرع البنك الأهلي ببسيون. وكذلك متابعة الإجراءات الصارمة التي تتخذها البنوك بشأن منح القروض وما يتبعها من ضمانات، خاصة ما يتعلق بمنح القروض للأفراد حيث يتم وضع حد أقصى لعبء الدين (ألا تتجاوز الأقساط 40% إلى 50% من الدخل الشهري)، والاستعلام الائتماني الدقيق للتأكد من السجل المالي، ومراجعة السجل الائتماني للعميل عبر أنظمة الاستعلام المركزية، واللجوء إلى الإجراءات القانونية عبر تسييل الضمانات أو رفع دعاوى قضائية للمطالبة بكامل المديونية، والتنفيذ على ممتلكات العميل. لكن من المؤلم أن أقول إن كل ذلك تبدد الآن عندما أدركت أزمة "الخشن" وتداعياتها.
ودلالة ذلك ما سبق وأن طرحته بقلمي ككاتب صحفي متخصص، وكنائب بالبرلمان معني بأحوال الوطن والمواطن، ومنها ما يتعلق بشأن قروض البنوك بحثًا عن الحقيقة، وتلقيت تطمينات كثيرة بأن "كله تمام التمام"، لكن هذا الاطمئنان تبدد وسبب لي ذعرًا ورعبًا على أموال المودعين إثر الخبر الكارثي الذي تواتر، وإن صحت تفاصيله نكون أمام مصيبة كبرى؛ حيث انفرد موقع "بصراحة" الإخباري بتميز برئاسة تحرير الزميل محمود سعد الدين، ونشرت بوابة "أخبار اليوم" الإلكترونية، وموقع "اليوم السابع"، وموقع "فيتو"، ومواقع إخبارية كثيرة، ومؤداه: أن النيابة العامة قررت منع رجل الأعمال محمد الخشن رئيس مجلس إدارة شركة إيفرجرو للأسمدة، و22 آخرين من أسرته، من التصرف في أموالهم، سواء السائلة أو المنقولة، وكذا الأسهم والسندات بالبورصة والشركات، وذلك على خلفية التحقيقات التي تجريها معه لتعثره في سداد مديونيات مستحقة عليه للبنوك بلغت قيمتها 40 مليار جنيه! أي والله العظيم 40 مليار جنيه كما جاء بالخبر، اقترضهم من عدة بنوك لكنه تعثر في السداد، بدوره البنك المركزي أصدر قرارًا بمنع رجل الأعمال محمد الخشن و22 آخرين من أسرته من التصرف في أموالهم وتعميمه على كافة البنوك للالتزام بما جاء فيه.
بمنتهى الشفافية، وفي محاولة للفهم والوصول للحقيقة وطرحها على الرأي العام ككاتب صحفي متخصص منوط به ذلك لبث الطمأنينة انطلاقًا من حقائق يقينية –وليس شعارات وكلمات لا تقنع طفلاً صغيرًا– بذلت جهدًا كبيرًا للتواصل مع أبرز القائمين على صناعة الأسمدة، خاصة رؤساء مجالس إدارات شركات الأسمدة الشهيرة، لكنني لم أستطع؛ لما فرضه بعض معاونيهم عليهم من حصار غريب وعجيب، مما يبث في النفس الريبة ويعظم الشك. ويصبح من الطبيعي البحث عن الحقيقة بصورة علنية وبوضوح: هل سيكون لأزمة "الخشن" إمبراطور الأسمدة أو "حوت الأسمدة" كما يطلقون عليه –إمعانًا في التوسع والسيطرة على الصناعة– تداعيات سلبية على الشركة المالية بكفر الزيات، وشركة أبوقير للأسمدة؟ أو هل تطولهما وغيرهما من الشركات العاملة في نفس مجال تصنيع الأسمدة هذه الأزمة ولو بشكل غير مباشر؟ وكذلك هل ستتأثر صناعة الأسمدة في مصر وتؤدي إلى تأثير سلبي على الفلاح وبالتالي على المنتجات الزراعية؟
وهل القروض التي هي محل الأزمة وغيرها من القروض التي تُمنح لهذا النشاط يتم استثمارها جميعها في هذا النشاط، أم يتم استخدام جزء منها في سوق العقارات؟ خاصة بعد وجود تقارير تفيد بأن جميع القروض بشكل عام لا تُستثمر بالضرورة داخل النشاط الأساسي الممنوحة له، بل يُستخدم جزء كبير منها أحيانًا في المضاربة بسوق العقارات، وعند توفر سيولة أو قروض بفوائد ميسرة للشركات أو الأفراد، قد تتجه نسبة من هذه الأموال للاستثمار العقاري لتحقيق أرباح سريعة أو التحوط ضد التضخم بدلاً من ضخها بالكامل في النشاط الأصلي. ويبقى السؤال: هل رصدت الأجهزة الفنية التي تتابع عملية إنفاق القروض هذا الأمر؟ وهل يقوم البنك المركزي وهيئة الرقابة المالية بتفعيل قانون البنك المركزي والجهاز المصرفي رقم 194 لسنة 2020 وذلك بإخضاع جميع التسهيلات الائتمانية وقروض الشركات لضوابط صارمة؟ هذا ما سيتم تناوله لاحقًا حيث تتكشف أبعاد الأزمة.
أعي تمامًا أن هناك قواعد حددها البنك المركزي لمنح البنوك القروض، بل أرى ذلك من الطبيعي وأمرًا رائعًا بحق، والذي تمثل جانب منها في إلزام البنوك بإجراء تحريات عن الشركات قبل تمويلها، وإلزام شركات التمويل بوجود رقم تعريفي لدى "آي سكور" (I-Score)، والإفصاح الدوري عن بيانات الشركات. وبذلك نكون أمام حقيقة يقينية مؤداها أن البنوك المدين لها "الخشن" لم تلتزم بتعليمات البنك المركزي؛ لأنه لو التزمت بها ما حدث ذلك على الإطلاق. وهنا تبرز حقيقة أخرى مؤداها خطيئة عدم توافر المعلومات لدى الزملاء الصحفيين، خاصة المتخصصين في الاقتصاد والعمل المصرفي، وبالتالي لم ندرك تناول ما يدور داخل هذا القطاع المصرفي والبنوك طبقًا لآليات الأداء بالنسبة للتخصص الصحفي، كما يفعل الزملاء المتخصصون في قطاعات كثيرة انطلاقًا من هدف نبيل وطمأنة الرأي العام، وهو الحفاظ على النظام المصرفي وترسيخ الاستقرار في جوانبه، والتنبيه لمواطن الخلل لوقف هذا النزيف المالي المرعب؛ وبذلك ما تفاقمت الأزمة، بل وما حدثت من الأساس. لكنها الجهالة بطبيعة العمل الصحفي وآلياته، والخوف والارتياب الذي يطال الذين يعبثون في الظلام بمقدرات الوطن خوفًا من أقلام الصحفيين التي تدك حصون الفساد.