رئيس مجلس الإدارة
شريف عبد الغني
رئيس التحرير
ناصر أبو طاحون
رئيس التحرير التنفيذى
محمد عز
  1. الرئيسية
  2. وجهات نظر

محمود الشاذلي يكتب: نعم.. يتعين أن نتعايش مع الحقيقة ونعظم الصدق

​اليوم الجمعة يوم فضيل من أيام الله تعالى، يتعين أن نتعايش فيه مع الحقيقة، ونتناغم فيه مع الذات، ونعظم الصدق؛ انطلاقاً من المجتمع المصري الذي نفخر بالانتماء إليه عن حق، وصدق، ويقين، ونعتز بأننا جزءٌ من مكوناته، لذا نعشق مضامينه، ونتمسك في إصرار بأن يكون في رفعة وشموخ، خاصة وأن هذا المجتمع بات كل من فيه يعانون أزمة حقيقية لها علاقة بطريقة التعامل، وأسلوب الحوار، ونهج التعايش، وأصبحت المصلحة هي المحدد الرئيسي للتقارب بين الناس، الأمر الذي أصبحت معه منزعجاً على ما هو قادم من الأيام، خاصة فيما يتعلق بأمور الحياة جميعها، وكيف نستطيع التعايش معها والتواصل مع مضامينها.
​مؤلم أن أقول إن الضبابية أصبحت هي المحدد الوحيد لمعالم ما هو قادم من الأيام، خاصة بعد رحيل كثيرين من جيل الرواد والجيل الذي سبقه في العطاء المجتمعي، وحتى الأجيال التي لحقته، وسيصل الأمر إلى القمة عند رحيل من تبقى من الجيل الذي أعتبره صمام الأمان لتماسك المجتمع إلى الآن. ما بعد ذلك: لا خبرة، لا فهم، لا وعي، لا إدراك. وليس معنى ذلك أن هذا الوطن الغالي ينعدم منه أصحاب الخبرة والكفاءات، أو يتلاشى منه الكرام، بل على العكس من ذلك تماماً؛ لأنهم كثر، لكنهم ليسوا طوعاً في دائرة الضوء، أو منوطاً بهم أي أمر مجتمعي يعظم التلاحم ويدفع في طريق أعمال الخير، بل إنهم يقبعون في الخلف، حيث فرض عليهم الواقع المجتمعي المتناقض أن يكونوا متفرجين على المشهد، يتحسرون وهم يرون كل شيء وهو يتقزم أمام أعينهم، خاصة فيما يتعلق بخبرة الأجيال. وإذا كان هذا طوعاً عند البعض، لكنه عند كثر مفروض عليهم؛ لأن الملوثين لا يريدون أن يقترب منهم الشرفاء.
​مؤلم أن أقول إن واقع الحال يشير بحق إلى أن التطهر، والنزاهة، والطهاره، باتت مستهجنة في العصر الحديث، والكذب، والغش، والخداع، والتضليل، أصبحت هي سيدة الموقف. فماذا يفعل الشرفاء، ويتصرف العقلاء، ويتمنى الحالمون، ويبتغى المبدعون، ويعيش الكرام، ويتعايش الأحباب؟ لا شيء سوى الخضوع للواقع بكل مآسيه؛ لأنه لا فرصة أمامهم لفرض الحقيقة، ولا أحداً يسمح لهم حتى بأن يرتفع صوتهم بالآه تعبيراً عن الحسرة، فتعاظمت لديهم حتى تمكن منهم القهر، لذا كيف لمقهور أن يبدع، أو يكون أحد أدوات النهضة المنشودة؟
​تأثراً بهذا الواقع الحقيقي، مؤلم أن أقول إنني أصبحت أتراجع خطوات للخلف عن الدخول في أعماق أي مشاركة مجتمعية، أو التفاعل مع واقعنا السياسي والحزبي والبرلماني، مكتفياً بالحفاظ على نزاهة قلمي وطرح واقعنا بمصداقية، ميراثاً أتركه للأبناء والأحفاد وكل أبناء الوطن، وليعذرني التاريخ حيث أسعى بالرصد والتحليل أملاً في التصويب. وعظم ذلك أنني -كأحد المهتمين بالشأن العام، والفاعلين في دروبه، قبل أن أكون كاتباً صحفياً متخصصاً، وسياسياً تشرف بعضوية البرلمان عن المعارضة الوطنية الشريفة والنظيفة حيث الوفد في زمن الشموخ- ينتابني قلق شديد، مرجعه الإفراط في فهم ما بين السطور، والتنقيب عن تداعيات المواقف التي يتخذها الأفراد، وانتظار ما تكشف عنه الأيام بشأن مردود المواقف، وهذا أمر جلل لأنه يضيع الوقت، ويبدد الجهد، ويجعلنا في تيه طوال الوقت، نعاني من شرود ذهني، وخوف من أي شيء وكل شيء، فيلتبس لدينا الحق بالباطل، ونفقد القدرة على التمييز بين ما هو حق وما نلمسه باطل، خاصة بعد أن بات الكل يخدع الكل، لذا يكون الكاسب الوحيد ليس المجد والمجتهد، بل الذي لديه أدوات أكثر في الإبداع الخادع. ليست تلك نظرة تشاؤمية، وإنما هي محاولة لاستقراء الواقع بمصداقية، أملاً في أن نجد من يتفاعل معها ويطرح علينا رؤية تبدد هذا النهج، فهل سندرك ذلك، أم سنفقد القدرة على تجاوز هذا الواقع المجتمعي ونتركه للأجيال القادمة ميراثاً صعباً، لعلهم يستطيعون تصويب ما فشلنا فيه؟