يقول المثل الأفريقي القديم أنه "عندما تتصارع الفيلة، لا أحد يتأذى سوى العشب الأخضر". واليوم، يتجسد هذا المثل بأقسى صوره في منطقة الخليج العربي، حيث يتحول هذا الممر المائي الحيوي وعمقه الجغرافي إلى "عشب أخضر" يطأه صراع جيوستراتيجي طاحن بين الفيل الأمريكي والفيل الإيراني.
المشهد الراهن لم يعد مجرد مناوشات سياسية.. بل تحول إلى معادلة صفرية خطيرة تضع البنية التحتية والمكتسبات التنموية لدول الخليج في عين العاصفة، وسط إصرار أمريكي على فرض "سلام القوة" يقابله "صبر استراتيجي" إيراني ملغوم بحرب استنزاف لا تبقي ولا تذر.
في ظل التصعيد العسكري غير المسبوق، تتبنى إدارة الرئيس دونالد ترامب استراتيجية هجومية علنية..
حيث لوح ترامب صراحة باستهداف وتدمير المنشآت الحيوية ومحطات الطاقة والجسور في الداخل الإيراني لإجبار طهران على الخضوع لشروطه. لكن خطورة هذا الطرح لا تقف عند حدود الجغرافيا الإيرانية، بل تكمن في "الرد الارتدادي" المتوقع.
إيران، التي تدرك فجوة القوة العسكرية التقليدية بينها وبين واشنطن، لا تجد أمامها سوى تفعيل عقيدتها القائمة على "الدفاع الهجومي غير المتماثل".
هذا يعني مباشرةً إذا دُمرت بنية تحتية إيرانية، فإن البنى التحتية والمنشآت الحيوية ومحطات تحلية المياه والطاقة في دول الخليج العربي ستكون هي الهدف البديل والسهل لصواريخ طهران ومسيّراتها.
المفارقة المأساوية هنا إن المواطن الخليجي، الذي شيد عبر عقود من الزمن نهضة اقتصادية وعمرانية فريدة، يجد نفسه فجأة مهدداً بدفع الثمن غالياً من أمنه واستقراره ومقدرات بلاده، في حرب لم يخترها ولم يكن طرفاً في إشعالها، ليتحول العمار الخليجي إلى رهينة في صراع تكسير العظام بين واشنطن وطهران.
الإدارة الأمريكية الحالية تصر على صياغة مشهد المنطقة عبر مفهوم "السلام من خلال القوة"، وهي سياسة تهدف إلى تصفير الصادرات الإيرانية وفرض حصار بحري خانق وتفكيك برنامج طهران النووي بالكامل تحت تهديد السلاح.
في المقابل، تتقن طهران اللعب على عامل الوقت. فالصبر الاستراتيجي الإيراني ليس استسلاماً، بل هو غطاء لخوض حرب استنزاف ممتدة وعميقة ضد المصالح الأمريكية الإقليمية. تعتمد طهران على استراتيجية "نقر الخشب" عبر وكلائها ومضايقة الملاحة في مضيق هرمز والبحر الأحمر، وهو ما يستنزف هيبة الردع الأمريكية ويجبر واشنطن على ضخ المزيد من القوات العسكرية في المنطقة. وبين مطرقة الضغط الأمريكي وسندان الاستنزاف الإيراني، يتلاشى الاستقرار الإقليمي وتتبخر فرص التنمية المستدامة.
ولا يمكن قراءة هذا الإصرار الأمريكي على إشعال الجبهات بمعزل عن الطبيعة البنيوية للاقتصاد السياسي الأمريكي. فالولايات المتحدة تؤكد دائماً العُرف التاريخي المعروف عنها بالضرورة ب
الاستثمار في الحروب والنزاعات حول العالم.
سواء كان التدخل مباشراً عبر الضربات الجوية والحصار، أو غير مباشر عبر صفقات التسليح المليارية، فإن المستفيد الأول والأخير هو "المجمع الصناعي العسكري الأمريكي". هذا الغول الاقتصادي يتغذى على الأزمات، ويحتاج دائماً إلى بؤر توتر مشتعلة لإبقاء خطوط إنتاج السلاح تعمل بكامل طاقتها وتدفقات الأموال مستمرة نحو خزائن كارتيلات السلاح في واشنطن، بغض النظر عن الكلفة الإنسانية أو الدمار الذي يلحق بالدول الحليفة أو الصديقة.
الواقع ان ما يمنح هذا المشهد بعداً أكثر قتامة وسريالية، هو تداخل ملفات الأمن القومي مع فضائح النخب الحاكمة في واشنطن. وفي هذا السياق، جاءت التصريحات الخطيرة لنائب الرئيس الأمريكي، جي دي فانس، خلال مقابلته المثيرة للجدل مع بودكاست "جو روغان حيث فجر فانس قنبلة سياسية عندما أكد علناً أن الملياردير الراحل والمتهم بجرائم الاتجار بالجنس بالبشر، جيفري إبستين، كان يمتلك "علاقات وثيقة بأعلى المستويات في الاستخبارات الأمريكية، وكذلك بأعلى المستويات في الاستخبارات الإسرائيلية (الموساد)".
هذا الاعتراف الرسمي من قمة الهرم السياسي الأمريكي يفتح الباب على مصراعيه لسيناريوهات مرعبة حول مدى سيطرة أجهزة استخباراتية، كالموساد، على قادة ومسؤولين كبار وصناع قرار داخل أمريكا وخارجها عبر ملفات ابتزاز جنسي وسياسي قذرة أدارها إبستين لسنوات. والأنكى من ذلك، أن التحقيقات المستمرة والوثائق المفرج عنها في قضية إبستين طالت شظاياها الرئيس دونالد ترامب نفسه الذي ارتبط اسمه تاريخياً ببعض شبكات العلاقات تلك.
الربط بين هذه المعطيات يدرك أن قرارات الحرب والسلم في المنطقة قد لا تكون نابعة دائماً من حسابات إستراتيجية عقلانية لحفظ الأمن، بل ربما تكون مدفوعة بأجندات خفية، وأدوات ضغط تفرضها قوى استخباراتية تسعى لجر المنطقة إلى محرقة شاملة تخدم مصالح طرف ثالث (إسرائيل)، مستغلةً حالة الابتزاز أو التوجيه التي يخضع لها بعض صناع القرار في الغرب.
إن منطقة الخليج العربي ليست مجرد رقعة جغرافية عادية ، بل هي الشريان المغذي لمصادر الطاقة العالمية ومحور حركة التجارة الدولية. وأي انفجار شامل في هذا المربع لن تقتصر شظاياه على تدمير المنجزات الخليجية أو سحق الاقتصاد الإيراني فحسب، بل سيشعل حريقاً عالمياً يرفع أسعار الطاقة إلى مستويات قياسية ويدخل الاقتصاد الدولي في ركود مظلم .
أمام هذا المشهد العبثي، يبرز السؤال الوجودي الملغوم بالمرارة: هل بقي في هذا العالم صوت عقل وحكمة يمتلك القدرة والشجاعة لفرملة هذا التهور، وإيجاد مسار دبلوماسي حقيقي ينزع فتيل الانفجار قبل أن يصحو العالم على كارثة تنفجر في وجه الجميع؟ الإجابة ما زالت معلقة بين فوهات الصواريخ المتربصة في البر والبحر، وبين طاولات المفاوضات المهجورة التي يغلفها غبار الوعيد والتهديد المستمر