بلا مزايدات، وإنما تذكيراً بالثوابت.. إن الحفاظ على المال العام وحماية مقدرات الدولة أراه فرض عين، وواجباً وطنياً ودينياً ومجتمعياً يحتمه علينا الضمير والأخلاق، يتساوى في ذلك المنتمون سياسياً لأحزاب المعارضة، والمستقلون، قبل المنتمين لما تسمى أحزاب السلطة، كما أنه ركيزة أساسية لاستقرار الأوطان. يتعاظم ذلك حيث تتفق الأديان السماوية على تحريم التعدي على المال العام وتعتبره خيانة للأمانة؛ ففي الشريعة الإسلامية، يُنظر إلى المال العام على أنه "مال الأمة"، والتفريط فيه يعد إثماً عظيماً ومخالفة لمقاصد الشريعة في حفظ الحقوق. كما أن صون مقدرات الدولة وممتلكاتها من المنظور الوطني مبتغاه توفير الموارد اللازمة لتقديم الخدمات الأساسية للمواطنين (كالصحة، والتعليم، والبنية التحتية)، مما يحقق العدالة الاجتماعية ويدعم مسيرة التنمية، فضلاً عن أن الدستور والقانون المصري يجرمان المساس بالمال العام، ويضعان عقوبات صارمة ورادعة لكل من تسول له نفسه إهداره، أو الاستيلاء عليه، أو الإهمال فيه.
تلك قناعاتي وما استقر في وجداني وما تربيت عليه في كنف عائلتي، ورسخه لدي أساتذتي الكرام الأجلاء -رحمهم الله- شردي، وبدوي، والطرابيلي، وعبد الخالق؛ لذا لا دفاع إلا عن الحق، ولا انحياز إلا للحقيقة، ولا طرح إلا بمصداقية، وهذا منطلقي في تناول القضايا وطرح الموضوعات منذ أن وطأت قدماي بلاط صاحبة الجلالة "الصحافة" في بداية عملي الصحفي قبل واحد وأربعين عاماً.
انطلاقاً من ذلك، ستظل أزمة المهندس محمد الخشن مع البنوك -على خلفية حصوله على 40 مليار جنيه للاستثمار في صناعة الأسمدة وتعثره في السداد- تفرض نفسها على واقعنا الحياتي، حتى ندرك الحقيقة المجردة، ويتم تقديم من تجاوز فيها للعدالة. ومهما طال الصمت، وتعاظم التعتيم رهاناً على أن ذاكرة المصريين كذاكرة السمكة، وأنهم سرعان ما ينسون وينشغلون بمصيبة أكبر، إلا أنها ستظل في ذاكرتهم حتى يترسخ الاطمئنان بعودة الحق للمصريين؛ لأن تلك الأموال أموال عامة معنيٌّ بالحفاظ عليها كل المصريين.
أطرح ذلك ليس من باب الوجاهة، أو الدخول في أمور غير معنيٍّ بها، أو توجيه الاتهام لأحد؛ لأن المعنيَّ بذلك جهات التحقيق المختصة والتي لها كل التقدير والتوقير والاحترام، وإنما انطلاقاً من مسؤولية مهنية ووطنية، وواجب حددت معالمه أمانة القلم، واليقين بأن الصحافة من أبرز رسالاتها الرقابية كشف الفساد، وتسليط الضوء على مكامن الخلل في المؤسسات، ومساءلة المسؤولين. بالمجمل، تمارس الصحافة رقابة شعبية ومؤسسية عبر متابعة أداء الأجهزة الحكومية والمؤسسات العامة، وتعمل على رصد التجاوزات، والأخطاء الإدارية، وسوء استغلال السلطة، مما يمنع تفشي الفساد، ويحفز الإدارات على تصحيح مسارها. ولأن منطلق ذلك رسالة نبيلة، تهدف إلى البحث عن الحقيقة ولا شيء غير الحقيقة -التي يحاول كل طرف أن يطمس معالمها ويختفي عن دائرة الضوء لوأدها في أذهان الناس- يقيناً.. ينطلق الأداء في إطار من الموضوعية والاحترام، والحجة والبيان، وليس المزاعم الكاذبة، والادعاءات المغرضة، على أن يكون منطلق ذلك صلب القضية، وليس تشويه الشخصية والنيل من السمعة. وإذا كانت تلك الثوابت في العموم، فإنها تتعاظم بالنسبة لقضايا البنوك، والمتعثرين، والقضايا الاقتصادية، التي لا يجب التعامل معها عبر التهييج وسوء الظن، إنما عبر معلومات يقينية، طرفها البنك المركزي الذي يجب أن يطمئن الناس على أموال البنوك المقترضة من خلال بيانات دقيقة وشفافة.
كثيراً ما سجلت انبهاري بهذا الانضباط في عمل البنوك، وذلك عند رصدي لإجراءات البنك في منح القروض حتى ولو كانت بضعة آلاف، حيث تقوم إدارة المخاطر بالبنك بمراجعة مستندات العميل خاصة فيما يتعلق بإثبات الدخل، وكشف الحساب، والتأكد من تاريخه الائتماني لتحديد نسبة الدين إلى الدخل، والتأكد من قدرته على السداد، كما أنه من المفترض أن البنك يحدد الفائدة بناءً على تكلفة الأموال، والتكاليف التشغيلية، وهامش الربح مقابل المخاطر، بالإضافة إلى فترة السداد وقيمة القسط. وبعد توقيع العقد، يتم الموافقة والصرف وإيداع مبلغ القرض في حساب العميل، ومن جانبه يبدأ العميل في سداد أقساط دورية شهرية أو غيرها، والتي تتكون من جزء يسدد أصل القرض وجزء آخر يمثل فائدة البنك. وتبقى الأسئلة المشروعة التي تبحث عن إجابة: هل تمت تلك الإجراءات بحق الـ 40 ملياراً القروض التي حصل عليها الخشن؟ وإن كانت قد تمت، فإذن من أين جاء الخلل؟ وإن لم يكن ذلك قد تم، فهل تمت محاسبة مسؤولي البنوك الذين منحوا الخشن المليارات؟
ترسيخاً للشفافية، هناك علامات استفهام كثيرة طالت قضية مديونية رجل الأعمال محمد الخشن تتعلق بكيفية منحه تسهيلات ائتمانية تتجاوز -كما تردد- 40 مليار جنيه، وأسباب تضخم المديونية، وصولاً إلى قرار النائب العام بالتحفظ على أمواله هو و22 من أفراد أسرته، وكيفية حصول كيان واحد على قروض وتسهيلات ائتمانية تصل إلى هذا الرقم الضخم من بنوك عديدة، ومدى توافق ذلك مع المعايير المصرفية في تقليل مخاطر تركز الائتمان، وكيفية حدوث هذا التضخم المفاجئ للمديونية، وكيفية تضاعف أصل الدين "الذي تشير بيانات الشركة التابعة لمحمد الخشن إلى أنه كان 11.8 مليار جنيه" ليصل إلى 40 مليار جنيه، وما إذا كان السبب الرئيسي هو تقلبات أسعار صرف الدولار والفوائد المصرفية التراكمية، أم توسعات غير مدروسة؟ بل إن هناك حديثاً طال أمر كفاية الضمانات؛ لأنه على الرغم من تأكيد البنك المركزي وجود ضمانات كافية لحفظ حقوق البنوك والمودعين، إلا أن هناك مخاوف وشكوكاً حول القيمة الحقيقية القابلة للتسييل للأصول المرهونة لتغطية حجم المديونية بالكامل.
رغم أن ما تواتر من شخصيات هي محل ثقة وتقدير بشأن تلك الأزمة، وطبيعة أطرافها خاصة المهندس محمد الخشن المحور الرئيسي بها، ومن أكدوا أنه رجل صناعة من طراز فريد، إلا أنني لا أتقبل ذلك على إطلاقه تأثراً بما أدركته من نهجه في التفاعل مع تلك الأزمة الكارثية، والتي تتسم بالغموض، الأمر الذي أصبحت معه أستشعر أمراً مريباً يحيط بهذه القضية؛ لأن ما تواتر بلا إجابة أو محاولة للفهم مخيف. لذا، إن صح ما أحيط بعلامات استفهام كثيرة في حاجة لتفسير -ولأنها معلومات متواترة وليس هناك تأكيد عليها أو مستندات بشأنها لا يجوز مهنياً طرحها- إنما الطبيعي البحث عن مصداقيتها، وعدم الخنوع لنهج المهندس محمد الخشن في تعظيم الصمت المريب. لكن المهمة صعبة نظراً للاختفاء المريب أيضاً للخشن عن المشهد "حسيساً حسيساً"، وتحاشيه الحديث في شأن تلك الكارثة حتى ولو بينه وبين نفسه، بل إن انزواءه إلى ركن ركين، دون توضيح للأمور حتى للمنصفين، كان من نتيجته الطبيعية تلك الحالة من الريبة التي أدركتها لدى بعض المقربين منه، حتى إنهم قالوا بشأن تلك القروض وغيرها ما أزعج مسامعي، ومع ذلك سيظل التمسك بنهج المصداقية راسخاً والبحث عن الحقيقة واقعاً.
من الأهمية التأكيد على أن مبتغى الطرح ليس تبني وجهة نظر طرف من الأطراف، الخشن أو البنوك، أو الانحياز إلى أحدهما حتى فيما يتعلق بوجهة النظر التي يبديها كل منهما، بل إنني على مسافة واحدة منهما، وهذا منطقي؛ لأنه لا توافر للمعلومات، ولا يقين بالحقيقة. وما التواصل في طرح تلك القضية ككاتب صحفي متخصص منوط به ذلك، إلا محاولة للفهم للوصول للحقيقة لطمأنة الرأي العام وكل المصريين، بعد أن أزعجتني بعض التصرفات التي أدركت معها أن هناك أموراً غريبة طالت هذه القضية.
خلاصة القول.. يتعين أن يعرف الرأي العام الحقيقة، ويتم إصدار بيان رسمي بنتيجة التحقيقات، أو ما تم التوصل إليه في المفاوضات التي تواتر أنها تتم للوصول لمخرج لهذه الأزمة، وحتى لو تعثرت تلك المفاوضات يتعين أن نعرف التفاصيل؛ لأن تلك المليارات هي ملك الشعب المصري، لذا فإن التعتيم يفتح الباب على مصراعيه للتكهنات، والافتراضات، والتخمينات، وكذلك الاتهامات التي قد تسيء لطرف من الأطراف، بل قد تتسبب في بلبلة لدى الرأي العام يكون نتيجتها طمس معالم الحقيقة. كما يتعين أن تتسم الأمور بالوضوح والشفافية، وليست الميوعة والخنوع، بل بات من الضروري أن يعرف كل المصريين هل نهب الخشن البنوك حقاً أم أنه بريء؟ وهل هناك خلل بالبنوك جعله يحصل على 40 مليار جنيه، أم أن الضمانات التي حصلت عليها البنوك تفي بهذا الدين طبقاً للنظام المصرفي؟ وأياً ما كان المخطئ، يتعين محاكمته في ميدان عام بعد استرجاع حق الشعب