رئيس مجلس الإدارة
شريف عبد الغني
رئيس التحرير
ناصر أبو طاحون
رئيس التحرير التنفيذى
محمد عز
الأخبار العاجلة :
  1. الرئيسية
  2. وجهات نظر

ناصر أبو طاحون يكتب عن: إرهاصات ثورة 23 يوليو وأوضاع مصر قبل الانفجار "١"

في بدايات خمسينيات القرن الماضي، لم تكن القاهرة تنام.. كان شوارعها تُخفي تحت بريق "باريس الشرق" طنينًا مكتومًا من الغضب والترقب.
و كانت مصر تعيش لحظة تاريخية فارقة يتصارع فيها النظام القديم مع احتضاره الممتد، وتتهيأ الأرض لولادة عهد جديد
لم تكن ثورة 23 يوليو 1952 مجرد تحرك مفاجئ لثلة من الضباط، بل كانت الانفجار الحتمي لغليان تراكم على مدى عقود في أركان الدولة المصرية.. سياسيًا، واجتماعيًا، وعسكريًا.
​وبين استعمار متجذر، وعرش فاقد للشرعية.. ​شهدت الحياة السياسية قبل 1952 انسدادًا كاملاً في أفق الإصلاح، مستندة إلى مثلث أزمات خنق الإرادة الوطنية "احتلال بريطاني - تخبط العرش -هشاشة الحياة الحزبية"
اول مثلث الازمات كان ​الاحتلال البريطاني، الذي مثل جرحًا غائرًا في الكرامة الوطنية. وكان التصور الشعبي حاسمًا  فالطبقة السياسية منقسمة والأحزاب الحاكمة عاجزة عن انتزاع الاستقلال الفعلي.
​في ظل هكذا اوضاع  شهدت سنوات الملك فاروق الأخيرة تراجعًا حادًا في هيبته السياسية والشعبية، وخاصة بعد حادثة 4 فبراير 1944 الشهيرة، حين فرضت الدبابات البريطانية إرادتها على القصر، وتلا ذلك حياة القصر التي اعتُبرت منفصلة تمامًا عن معاناة الشارع.

و تحولت الأحزاب السياسية إلى ساحات للمصارعة على السلطة والمكاسب الضيقة بدلاً من مواجهة الاحتلال أو تحسين حياة الشعب، مما أدى إلى حالة "سيولة وزارية".. حيث تناوبت على مصر عشرات الحكومات القصيرة العمر في سنوات قليلة.

في ظل هذه التشابكات بين الاحتلال و القصر والنخب الفاسدة كان ​الشرخ الاجتماعي يتسع  حيث "مجتمع النصف في المائة" والفقر المتقع

و​لو أردنا اختصار المشهد الاجتماعي في مصر قبيل الثورة، لتجلى في تباين صارخ وغير إنساني بين الطبقات،  حيث نحو 0.5% فقط من السكان يمتلكون أكثر من نصف الأراضي الزراعية في مصر. و تحول ملايين الفلاحين في الأرياف إلى "أجراء" في أرض أجدادهم، يعانون من التهميش والأمية الثلاثية (الفقر، والجهل، والمرض).
وغابت الطبقة المتوسطة والتأمين الاجتماعي ، ف​لم يكن هناك نظام حماية اجتماعية أو حد أدنى للأجور، وتفاقمت أزمة البطالة بين الخريجين والعمال. كانت العشوائيات تنمو على أطراف العاصمة لتستوعب الفارين من جحيم الفقر الريفي.

وجاءت صدمة الهزيمة في حرب 1948 لتشهد ولادة الضباط الأحرار
​كان الجيش المصري يخضع لمسار تحول عميق عقب معاهدة 1936 التي سمحت لأبناء الطبقات المتوسطة والشعبية بالتحاق بالكليات العسكرية - وكان من بينهم جمال عبد الناصر، وأنور السادات، وعبد الحكيم عامر.
​ومثلت نكبة فلسطين 1948 الحد الفاصل الذي حول ولاء الجيش من الملك والعرش إلى الوطن والشعب ."
​شكلت هزيمة حرب فلسطين عام 1948 ومأساة "صفقة الأسلحة الفاسدة" صدمة عنيفة للضباط الشبان. شعر الجيش بأنه تم الدفع به إلى المعركة بدون إعداد كافٍ وبأسلحة غير صالحة، تلبية لقرارات سياسية مضطربة. وفي حصار الفالوجة، نضجت فكرة "تنظيم الضباط الأحرار"؛ حيث أدرك الضباط أن معركة التحرير الحقيقية تبدأ من إصلاح الداخل وتنظيف السلطة في القاهرة.

​بحلول عام 1951، اندلعت حركة الكفاح المسلح ضد القواعد البريطانية في القناة، ووصلت ذروتها في مجزرة الإسماعيلية (25 يناير 1952)، عندما رفضت الشرطة المصرية الاستسلام للقوات البريطانية وقدمت عشرات الشهداء.
​وفي اليوم التالي مباشرة، 26 يناير 1952، اندلع حريق القاهرة الشهير؛ حيث التهمت النيران مئات المحال والمقاهي ودور السينما والشركات الأجنبية وسط العاصمة. كان الحريق إشارة لا تخطئها عين..  حيث سقطت الشرعية الأمنية والسياسية للنظام تمامًا، والدولة باتت بلا رأس.
​لم تكن ليلة 23 يوليو 1952 مغامرة عسكرية للاستيلاء على السلطة بقدر ما كانت استجابة لمطالب شعبية تاريخية تراكمت عبر عقود. لقد أدرك الضباط الأحرار أن الشرط الأول لبناء مصر حديثة هو التخلص من التبعية للخارج والتوزيع العادل للثروة في الداخل.
​عندما أذاع الملازم أنور السادات البيان الأول للثورة بصوت الصاغ محمد نجيب، كانت مصر جاهزة لطي صفحة كاملة من تاريخها، والعبور نحو عصر الجمهورية بآمال عريضة وتحديات جديدة.

غدا نستكمل الحكاية