رئيس مجلس الإدارة
شريف عبد الغني
رئيس التحرير
ناصر أبو طاحون
رئيس التحرير التنفيذى
محمد عز
  1. الرئيسية
  2. وجهات نظر

محمود الشاذلي يكتب: الثوابت الحياتية بين ماضينا العريق وحاضرنا العجيب والدروس المستفادة

أمراضُ المجتمع باتت تحاصرنا، والتدني المجتمعي يحاول أن يسحق إرادتنا، ويُحدث حالة من التشويش على أفكارنا؛ لنعيش في تيه، ونغوص في أعماق الواقع المرير، ونتعايش مع الأزمات تأثرًا بما يعانيه المجتمع من إخفاقات، وما يتعرض له الناس من أزمات. وكان من نتيجة ذلك تطوُّرُ الحديث البغيض بين الناس بسرعة مذهلة، وتعاظُمُ المواقف السلبية، حتى إننا ودون رغبة منا نجد تداعيات ذلك قد غاصت في أعماق الواقع، وفرضت تناول المسكوت عنه من قضايا؛ ليكشف ذلك كله عن انحدارٍ نعانيه في الفهم، وتدنٍّ بشع طال السلوك، وجهالةٍ أصبحنا جزءًا من نسيجها بعد رحيل الكبار، وتقزيم القامات، وابتعاد أهل الخبرة عن المشهد؛ هؤلاء الذين كنا نلتمس لديهم النصيحة، ونصمت في رحابهم لندرك الحقيقة.
​احترامُ الآخر، ورفضُ التجاوز في حق المنافس، والتعاملُ بشرف في الخصومة؛ نهجٌ بات من يتمتع به الآن يوقن أنه على خير، وهذا الخير يقيناً أيضاً نابعٌ من إرادة حقيقية، جسدتها تربية أسرية، وثوابت عائلية، ونهجٌ تربى عليه الإنسان. وأبداً لا يمكن لمن لديهم ضمير حقيقي أن يشوهوا من يختلفون معهم، أو يهيلوا عليهم التراب، خاصة من انتقل منهم إلى رحاب الله تعالى، بل إن الواجب يفرض أن يُعلى من قدره حتى ولو كان هناك خلافٌ تمخض عنه اختلافٌ في الرؤية.
​هكذا قلتُ، وهكذا تعجب من كانوا طرفًا في النقاش الذي فرض جوانبَه ما طرحوه، وليس ما قلتُ به. إنصافًا.. لم يكن ما طرحتُه مرجعه فتاكةً مني، أو عنتريةً أزعم أنني أتحلى بها، أو فروسيةً سبقتُ بها أبناء جيلي، وإنما هي رؤيةٌ تربيت عليها صغيرًا في كنف عائلة تضرب بجذورها في أعماق التاريخ، وأبٍ حرص على أن أكون صاحب رأي ينطلق من احترام، وعمَّقها عندي شابًا عظماءُ الصحافة المصرية أساتذتي الأجلاء: شردي، وبدوي، والطرابيلي، وعبد الخالق، ورسخها في كياني وجودًا زعيمي فؤاد باشا سراج الدين، رحمهم الله جميعًا. وما تعلمته من بطل حرب أكتوبر الفريق سعد الدين الشاذلي، القيمة والرمز، كلما التقيتُ به.
​وحتى يدرك الشباب قيمة ما طرحته وأنه نابعٌ من مصداقية عايشتها فيما تعرضت له في حياتي، وليس كلامًا عنتريًا ممزوجًا بالفزلكة؛ كان من الضروري لإقناعهم بإيماني بهذا النهج في حياتي استرجاعُ بعض وقائع الخلاف الشهير الذي ارتقى لصدام بيني وبين الدكتور نعمان جمعة رئيس حزب الوفد السابق رحمه الله، وأستاذ القانون وعميد حقوق القاهرة. هذا الصدام الذي أحدث ربكة شديدة لدى أهل القانون، وشغل جانبًا من تفكير ونقاش القامات السياسية المصرية التي لن تتكرر في تقديري ثانيةً، في القلب منهم الدكتور فتحي سرور رئيس مجلس الشعب السابق رحمه الله، والنائب الدكتور زكريا عزمي رئيس ديوان رئيس الجمهورية السابق متعه الله بالصحة والعافية، والوزير النائب كمال الشاذلي رحمه الله تعالى، وعايشه بقوة البرلمانيُّ المحترم الأخ والصديق النائب المحترم محمد عبد العليم داود وكيل مجلس الشعب السابق وعضو مجلس النواب الآن، والذي كان له موقفٌ مشرفٌ تطالُ به الرؤوس حيث عرض أن يُفصل من جريدة الوفد بدلاً مني إذ كان زميلاً صحفياً بجريدة الوفد، وتلامس مع ما حدث ابن بلدي بسيون القيمةُ الكبيرة معالي الوزير المستشار فرج الدرّي أمين عام مجلس الشورى السابق وعضو مجلس الشيوخ السابق متعه الله بالصحة والعافية. هذا الخلاف اهتزت لجنباته قاعة البرلمان؛ لأن منطلقه كان كوني نائبًا وفديًا بالبرلمان له رؤيته فيما يتعلق بالقضايا التي يناقشها البرلمان والتي المفروض أن تكون التزامًا برؤية حزب الوفد الذي أنتمي إليه سياسيًا وما زلت، وهو رئيس حزب له منهج وأسلوب وطريقة في الأداء، لكنني كان نهجي عدم الرضوخ لأي التزام حزبي إذا تعارض مع ثوابتي ومنطلقات أبناء الشعب الذين شُرِّفت بثقتهم ممثلاً عنهم بالبرلمان.
​اختلفنا أنا كَنائبٍ وفدي بالبرلمان وهو كرئيسٍ لحزب الوفد، وتعاظم الخلاف واحتدم حتى وصل إلى حد فض عقدي وفصلي من عملي الصحفي كنائبٍ לרئيس تحرير "الوفد" رغم تمتُّعي بالحصانة البرلمانية وتشرفي بعُضوية نقابة الصحفيين، وأن الخلاف سياسي لا علاقة له بعملي الوظيفي. وهنا كان الخلل؛ لأنه لا يُفصل نائبٌ من وظيفته لخلاف مع الحكومة أو رئيس حزبه، بل إنه لا يُحاسب عما يبديه من آراء تحت القبة، الأمر الذي معه انتفض البرلمان لمخالفة ذلك للدستور، وتُمَّ عرضُ هذا الخلل الدستوري على الرئيس مبارك بصفته رئيس الدولة الذي أمر كتابةً بنقلي لإحدى الصحف القومية لتجاوُز الخلل الدستوري، وتم بالفعل نقلي لجريدة الأهرام/الجمهورية نائبًا لرئيس تحرير الجمهورية، بمبادرة محترمة من الكاتب الصحفي الكبير سمير رجب رئيس مجلس إدارة دار التحرير ورئيس تحرير الجمهورية.
​ولأنه خلافُ كبارٍ لم يكن ممزوجًا بالتدني، أو التجاوز، أو حتى التنابز بالألفاظ؛ وظل الدكتور نعمان جمعة إلى اليوم في يقيني وتقديري وحديثي قيمةً وقامةً ورمزًا له كل الاحترام والتقدير رحمه الله، بل ومحل توقير حتى وإن شمل الخلاف حدةً شديدة، ومواجهةً عنيفة تخللتها عباراتٌ وكلماتٌ أشد قسوة.
​خلاصة القول.. لعله من الواجب تعميق تلك الثوابت الحياتية، والتمسك بها حتى وإن طال المناخَ السياسي العامَّ الهزلُ؛ لذا كان من الضروري استحضار الماضي لعله يكون منطلقًا لتعميق تلك الثوابت، وسأظل متمسكًا بتلك الثوابت حتى وإن أدركتُ أن ما طرحتُه لا وجود له الآن في واقع الحياة، حتى على مستوى الخلافات البسيطة بين الناس في المجتمع، لكنه النهج الذي يجب أن نتمسك به واقعًا، ولا نسمح على الإطلاق أن يكون الخلاف أو الاختلاف بين أي أحد مجتمعيًا كان أو حتى سياسيًا أو حزبيًا منطلقه سبًا، وشتمًا، وتخوينًا، وإهانةً، وتجاوزًا، وقلة أدب؛ لأن هذا النهج يجعل من له حق بلا حق، ومن ظُلم يعيش في أعماق القهر.