رئيس مجلس الإدارة
شريف عبد الغني
رئيس التحرير
ناصر أبو طاحون
رئيس التحرير التنفيذى
محمد عز
  1. الرئيسية
  2. وجهات نظر

محمود الشاذلي يكتب: اليوم الجمعة.. تعالوا نجدد الإيمان في رحاب أسيادنا المرضى لعلنا ننتبه ​

​بحق الله ما أحوجنا في هذا اليوم الفضيل من أيام الله تعالى أن نجدد الإيمان في القلوب بالطاعات، والتقرب إلى الله تعالى بفضائل الأعمال؛ حيث يزيد الإيمان بالطاعة والعمل الصالح، وينقص بالمعصية. ويمكن للمسلم تجديد إيمانه واستعادة حلاوة الطاعة من خلال فضائل متعددة وعمل صالح مستمر. ما أحوجنا للوقوف أمام الذات، واستحضار الأحداث، والتعايش مع منعطفات الحياة؛ لأن فيها من العبر ما يكفي لردع ما بداخلنا من جموح، وإضفاء حالة من الزهد على مجريات حياتنا، ولعلها فرصة نجدد فيها الإيمان. ليس هذا منطلقه دروشة، إنما هذا ما أكد عليه العلماء، وطالب به الدعاة، خاصة بعد أن بات من اليقين إدراك أن الحياة لا قيمة لها، وأنه مهما سعى فيها الإنسان وتقلد المناصب، وتجبر على خلق الله، وجمع الأموال، وحرص على الإقامة في أفخم الأحياء، ستكون نهايته أن يُوارى جسده التراب في قبر طولًا وعرضًا أمتار، ومهما كان مشيدًا وفخيمًا — كما ندرك في الفترة الأخيرة نهجًا عند البعض — إلا أنه في النهاية قبر يُواري ما به من تراب الأجساد.
​لعل هذا اليوم الطيب فرصة أن ننتبه لكل ما هو طيب، ونتعايش معه، ونجعله ركيزة أساسية في حياتنا؛ نحتضن الحبيب، ونلجأ للصديق، وننعم بالجار، ونحتضن جميعًا المريض، جنبة إلى جنب مع التعايش الوجداني لإخوته وأقاربه وأرحامه البعيدين سكنًا عنه. ما أروع أن يتقاسم المريضُ مسلوبُ الإرادة، فاقدُ الرغبة في الحياة، الأنفاسَ مع صديق حبيب يكون له السلوى والراحة والسكينة، والمخرج من الحالة النفسية الصعبة التي تلازمه؛ استشعارًا بالانكسار، وتألمًا أنه بات على وشك الرحيل عن هذه الحياة لكنه لم يقدم من الخير ما يجعله مطمئنًا أنه سيكون معه شفيع.
​نعم.. لم تعد المقابر مكانًا للعظة بعد تراكم المشاغل، وإصابة الإنسان بتبلد الإحساس، والاشتغال بالماديات، مما يجعل البعض يمرون بالمقابر دون أن يتأثروا أو يستشعروا العبرة، لكن تظل المقابر تحمل رسالتها الصامتة لمن يمتلك قلبًا يقظًا. من أجل ذلك باتت المستشفيات مدارس الحياة الصامتة، بعد أن أصبحت ليست مجرد مراكز للعلاج، بل محطات تأمل يتعلم فيها الإنسان قيمة الصحة التي لا تُقدَّر بثمن، ويدرك هشاشة القوة البشرية أمام المرض؛ فرؤية أوجاع الآخرين تجعل الإنسان يدرك حجم النعم التي يعيشها في يومياته العادية، والتي قد تبدو له بديهية، ويتملكه شعور بالامتنان، بل إن مشاهدة المرض تكسر الكبرياء، وتزرع في القلب التواضع والرحمة تجاه الضعف الإنساني.
​يقينًا.. يوقظ الألم فينا الإنسانية، ويجعلنا أكثر تقديرًا للحظات العافية، وأكثر تعاطفًا مع من ابتُلوا بالمرض، وتجعل الإنسان يتذكر بأن الصحة أغلى ما يملك، مما يدقعه للتركيز على ما هو جوهري في حياته وتجاهل الصغائر. شاء القدر أن أظل أيامًا كثيرة مترددًا على كل أنواع المستشفيات الحكومية والجامعية، والانتباه جيدًا لأحوال المرضى من الناس؛ جميعًا يتألمون: البسطاء والعظماء، ومن لهم شأن مجتمعي كبير ومن لا شأن لهم، جميعهم يتناولون الدواء ويكونون مسلوبي الإرادة بين يدي الطبيب، جميعًا على سرير يتجاورون في العمليات، يخضعون لمشرط الجراح، جميعًا وأهاليهم يرجون رحمة الله تعالى رب العالمين سبحانه.
​بحق الله.. كثيرًا ما باتت تنتابني حالة من الزهد وفقدان الشهية، تأثرًا بأحبة كرماء من أسيادي المرضى يعانون من أمراض عدة شفاهم الله وعافاهم، أرافقهم حيث المستشفيات خاصة المتخصصة في الأورام. كثيرًا ما أقدم الشكر والتقدير لأطبائنا الكرام، الذين يستحقون الدعوات الطيبات من المرضى وأهاليهم ومحبيهم. وحيث أتعايش في تلك الأجواء مع الأحباب الأسياد من المرضى، أدرك كيف أنه بين عشية وضحاها تتبدل أحوال الناس؛ حيث يودع الرجل السعادة، وتنتابه التعاسة، ويسيطر عليه القلق الشديد، وذلك تأثرًا بمرض يعاني منه فجأة، أو زوجته، أو أحد إخوته، أو أحد أبنائه، وتصبح المستشفيات ومتابعة الأطباء نمط سلوك في حياته. والسعيد من تكون كل تلك الأمور مصدرًا للعبرة بالنسبة له، فهل ننتبه