قبل أيام، لجأ إليّ أحد أبناء بلدتي الأحباب مستنجداً؛ لحاجة زوجته المصابة بسرطان الكبد إلى تغيير مفصل الحوض (الرجل اليسرى) مفصلاً كاملاً أسمنتياً مزدوجاً قيمته سبعون ألف جنيه، يتعين أن يشتريه على نفقته حتى تُجرى العملية لها في مستشفى حكومي جامعي أو تابع لوزارة الصحة؛ لأن أي مستشفى لم يعد يوفره وفقاً للنظام الجديد الوارد من الوزارة بشأن تقديم الخدمة الطبية للمرضى. أصل المقال أن المستشفى سيتحمل فقط أجر العملية والإقامة وفقاً لقرار "على نفقة الدولة" حتى لو تضمن تركيب مفصل، وإذا أرادت أن تنتظر حتى يشتري المستشفى المفصل فلتنتظر، لكن المستشفى لن يتمكن من شرائه! قال الطبيب ذلك لأهل المريضة استشعاراً بخطورة حالتها المرضية، وأهمية السرعة والوقت في إنقاذها نظراً لإصابتها بسرطان الكبد. وطلب مني أن أخاطب الرئيس السيسي لخطورة تأخير العملية؛ لأن زوجته المصابة بالسرطان توقفت عن العلاج بناءً على طلب الأطباء حتى يتم تركيب المفصل لها.
ومنذ ذلك الحين وأنا أفكر وألوذ بالصمت، لكنني قررت مخاطبة إنسانية الرئيس السيسي، ثقةً بأن سيادته سيكون المنقذ لتلك السيدة الفاضلة، وأنني أبداً لن أنكس رأسي خجلاً أمام زوج المريضة وأطفالها؛ لأنني أخاطب الرئيس الإنسان.
يا سيادة الرئيس.. قبل أيام أيضاً تحدث وزير الصحة الدكتور خالد عبد الغفار، ويا ليته سكت ولاذ بالصمت؛ لأن حديثه الذي نقلته "صدى البلد" والكثير من المواقع الإخبارية زلزل الكيان، وأصاب النفس بالإحباط؛ لأنه نبهنا إلى الخطر الذي يحيط بنا من كل جانب، وذلك على خلفية الخدمات الصحية المقدمة للمواطنين؛ حيث قال وزير الصحة وبالنص: «عايز ترليون جنيه سنوياً على الأقل وبعدها حاسبوني على المستشفيات».
وهو ما يعني أن نقبل بالأمر الواقع فيما يتعلق بعلاج أسيادنا المرضى، وألا نشكو كأبناء وطن من سوء الخدمة الصحية؛ لأن تدبير هذا المبلغ سنوياً من المستحيلات، وبات ليس أمام أسيادنا المرضى إلا الشكوى إلى الله تعالى أحكم الحاكمين، رب الكون ومليكه، ثم إلى سيادتكم، وفي صمت حتى لا ننزعج معالي الوزير، الذي أستشعر بصدق أن حديثه إلينا — نحن الطبقة المتوسطة التي باتت معدمة — يتسم بأنه في مأمن ولن يحاسبه أحد؛ لا سيادتكم ولا السيد رئيس الوزراء. لذا سار على نهجه معاونوه ومديرو مديريات الصحة التابعة له، الذين أصبح لا يعنيهم أسيادنا المرضى حتى لو وصل صراخهم عنان السماء؛ ليقينهم أنه لن يقترب منهم أي جهاز رقابي تناغماً مع شكاوى المرضى طبقا لما أعلنه ضمنياً معالي وزير الصحة؛ لأنه لن يتحقق تدبير الترليونات.
بوضوح يا سيادة الرئيس، جاءت تصريحات وزير الصحة لتهدئة الرأي العام الغاضب من نقص الأدوية والآلات والأدوات والأجهزة، خاصة بعد أن أصبحت الخدمة الطبية بمستشفيات وزارة الصحة مدفوعة الثمن مقدماً وليست بالمجان؛ حيث حددت الوزارة الرسوم المقررة بالنسبة لتقديم الخدمات العلاجية بالمستشفيات الحكومية والوحدات التابعة للإدارة المحلية، والتي حددها القرار الوزاري رقم 75 لسنة 2024، وتشمل — على سبيل المثال — خدمات الولادة ثلاثة آلاف جنيه، والعمليات الجراحية الكبرى ألفاً وخمسماية جنيه، والإقامة في الغرفة العادية 50 جنيهاً لليلة الواحدة، والإقامة في غرفة العناية المركزة 500 جنيه لليلة الواحدة، والأشعة المقطعية حدد لها 400 جنيه.
ويبقى جانب في غاية الأهمية يتعلق بتلك القضية المصيرية بالنسبة لأسيادنا المرضى؛ مؤداه أن الأطباء الكرام الذين يبذلون جهداً كبيراً مع أسيادنا المرضى بجد وإخلاص وتفانٍ هم الذين يدفعون ثمن هذا النهج الذي جعله وزير الصحة واقعاً في الحياة، فوجدنا من يتجاوز في حقهم من أهالينا الطيبين تأثراً بمعاناة مرضاهم، والذي وصل إلى درجة الاعتداء على الأطباء وظلمهم، حتى من المسؤولين الذين لا يدركون مسببات هذا الخلل، وكأن الأطباء هم المسؤولون عن نقص الأدوية والآلات والأدوات والأجهزة!
والمؤلم استغلال بعض المغرضين منعدمي الضمير تلك الأجواء للكيد للصيادلة بالمستشفيات، كما حدث في محافظة الغربية بعد خداع الناس بالترويج أن هؤلاء الصيادلة ومديريهم هم المسؤولون عن نقص الأدوية بالمستشفيات، حتى ظن أهالينا الطيبون أن هؤلاء الصيادلة هم من يصنعون الأدوية ويحددون أسعارها! وتعاظم الأمر بإحالة محافظ قنا اللواء دكتور مصطفى الببلاوي مديرَ مستشفى قنا العام الدكتور محمد الديب إلى الإقالة والتعنيف العلني أثناء جولة مفاجئة له بالمستشفى، مما دفع نقابة الأطباء لتقديم شكوى رسمية ضده لرئيس مجلس الوزراء.
أصدقكم القول.. أشعر بالقهر لأنني لم أجد أي ردة فعل من النواب الذين من المفترض أنهم ممثلو الشعب على هذا التصريح الذي يتنصل الوزير بمقتضاه عن رعاية صحة المصريين، بل إنني راهنت نفسي أنني سأدرك انتفاضة للنواب ضد تصريح وزير الصحة، لكنني — للأسف الشديد — خسرت الرهان؛ لأنني لم أجد نائباً واحداً قد استخدم أيّاً من الآليات الرقابية المقررة، والتي تشمل أدوات أساسية مثل الأسئلة البرلمانية، وطلبات الإحاطة، والاستجوابات لمتابعة أعمال الحكومة ومحاسبتها، وسحب الثقة، وتشكيل لجان تقصي الحقائق لدراسة وتتبع تلك القضية الجوهرية التي لها علاقة بصحة الإنسان. بالمجمل، لم أرَ نائباً تقدم ولو حتى بسؤال على استحياء يتعلق بتلك الكارثة، رغم أن هذه القضية تتطلب استجواباً للوزير يتم بمقتضاه سحب الثقة من الحكومة لو عجز الوزير عن التأكيد على رعايته لصحة المصريين طبقاً للدستور، أو حتى تعهد بذلك واعتذر عما صرح به وسبب إحباطاً لكل المصريين.
يا سيادة الرئيس.. نسي صاحب المعالي وزير الصحة أو تناسى، أو ظن أننا شعب إعترانا الجهل وسيطرت علينا الجهالة، فلا نعرف أن الرعاية الصحية حق أساسي كفله الدستور المصري في المادة 18؛ حيث يُلزم الدستور الدولة بتقديم رعاية صحية متكاملة لجميع المواطنين وفقاً لمعايير الجودة، كما يلزم الدستور الدولة بإقامة نظام تأمين صحي شامل لجميع المصريين يغطي كل الأمراض، ويكون بالمجان لغير القادرين، كما فرض على الدولة التزاماً بتخصيص نسبة من الإنفاق الحكومي للصحة لا تقل عن 3% من الناتج القومي الإجمالي، وتتصاعد تدريجياً لتتفق مع المعدلات العالمية، وأن الدستور يجرم الامتناع عن تقديم العلاج بأشكاله المختلفة لأي إنسان في حالات الطوارئ أو الخطر على الحياة.
كارثة بحق إذا كان معالي الدكتور خالد عبد الغفار وزير الصحة لا يعرف أنه لما كانت الصحة هي حق أصيل من حقوق الإنسان — بل وأكثر، فهي تعتبر الأهم على الإطلاق لارتباطها الوثيق بحياة الإنسان والبقاء، ولا يمكن اعتبارها مجرد ميزة يتمتع بها البعض دون غيرهم — ولذلك نجد أن الدستور المصري وغيره من القوانين المحلية، والمواثيق الدولية الموقعة من قبل الدولة، قد تحدثت عن ذلك بنصوص خاصة مما يجعلها بقوة القانون، ومنها المادة 12 من العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية الذي يقرر في إحدى بنوده إقرار الدول الأطراف بحق كل إنسان في التمتع بأعلى مستوى من الصحة الجسمية والعقلية يمكن بلوغه، وأن دستور منظمة الصحة العالمية الصادر في عام 1946 يقرر حتمية التمتع بأعلى مستوى من الصحة يمكن بلوغه على اعتبار أنه أحد الحقوق الأساسية لكل إنسان، دون تمييز بسبب العنصر أو الدين أو العقيدة السياسية أو الحالة الاقتصادية أو الاجتماعية.
خلاصة القول.. نعم، كان اللجوء للرئيس السيسي انطلاقاً من اليقين بإنسانيته لأن الأمر جد خطير؛ إذ إن صحة الإنسان لا مقايضة عليها ولا عبث بها؛ لأنها تعني الوجود بالحياة. قد يتنازل الإنسان عن الرفاهية، وقد لا يتناول ما يحبه من الطعام لضيق ذات اليد، وقد لا يسكن في المسكن المناسب نظراً لقلة الإمكانات، بل قد لا يلبس ما يبتغيه من ملبس نظراً لأنه ليس لديه المال الذي يشتري به الملابس، إنما لا يستطيع أن يتوقف عن العلاج، أو يستغني عن دخول المستشفى لإجراء جراحة، أو ألا يقوم بإجراء الفحوصات الطبية لأنها هي التي تحدد بدقة طبيعة المرض وسبل العلاج. أتمنى أن يعي ذلك الجميع؛ الوزير قبل الخفير، لأنني أتحدث بضمير وطني، وأتناول بمصداقية انطلاقاً من واقعنا المجتمعي المعاصر، ويتعاظم ذلك لأنني أعبر عن الطبقة المتوسطة التي باتت معدمة وهم 99% من الشعب المصري الذي أفخر بأنني جزء من كيانه.
فهل ينتبه وزير الصحة لذلك ويتوقف عن الحديث بهذه الصورة التي لا تقنع طفلاً صغيراً؟ أتمنى ذلك، وعلى الله قصد السبيل.