قناة السويس لم تكن مجرد ممر مائي شُق في قلب الصحراء المصرية، بل بقيت لعقود طويلة جرحًا غائرًا وقرحة ملتهبة في جسد الوطن.. استنزفت دماء المصريين وعرقهم، وظلت رمزًا للهيمنة والاستغلال الأجنبي الذي يسلب الأمة خيراتها ويحرمها من سيادتها على أرضها.
وفي السادس والعشرين من يوليو عام 1956، خلع التاريخ رداء الاستكانة واصبح العالم يؤرخ بذلك الحدث ووما قبله و ما تلاه،
وجاء قرار تأميم الشركة العالمية لقناة السويس كبشرى طببت هذا الجسد المنهك، واستأصلت تلك القرحة إلى غير رجعة.
لم يكن القرار مجرد استرداد للحقوق المالية أو الإدارية، بل كان إعلانًا صارخًا لولادة مصر الحرة، وفتحًا لأبواب المستقبل الواسع أمام الوطن والأمة العربية والعالم أجمع، لتتحول القناة من رمز للعبودية إلى شريان أمل وحياة للتجارة العالمية تحت إدارة مصرية خادمة للسلام والازدهار.
إن ما شهدته بورسعيد الباسلة بعد هذا القرار لم يكن مجرد معركة دفاع عن مدينة، بل كان القشة التي قصمت ظهر الاستعمار التقليدي.
فعلى أرض المدينة الباسلة المضمخة بالبطولة، انكسرت فلول العدوان الثلاثي، ودُحرت أحلام الإمبراطوريات القديمة. ومن تحت ركام بورسعيد، انطلقت شرارة حقبة جديدة سُميت بحق "حقبة التحرر الوطني"، لتلهم الشعوب المُستضعفة في أفريقيا وآسيا ولاتينيا للثورة وكسر قيود التبعية.
وفي هذه الذكرى الخالدة، نقف إجلالًا وتكريمًا لكل معلم من معالم هذا الإنجاز التاريخي
ونقدم تحية إجلال لأرواح 120 ألف شهيد قضوا نحبهم عطشًا وإرهاقًا في حفر القناة بأجسادهم النحيلة، لتكون دماؤهم هي الملتقى الحقيقي بين البحرين.
وكل التحية والتقدير للعقول السريّة و لكل من ساهم في إعداد وتحضير وثائق وخطط التأميم بدقة متناهية وفي سرية تامة أذهلت أجهزة العقول الاستخباراتية العالمية.
و تحية فخر للأيدي والأبطال و لكل من شارك في تنفيذ عملية التأميم ميدانيًا بكفاءة نادرة ونجاح باهر فرض الواقع الجديد في لحظات خاطفة.
وتحية خاصة للقائد الفذ الزعيم الخالد جمال عبد الناصر، الذي امتلك الشجاعة والجسارة لاتخاذ القرار التاريخي، وقاد الأمة في لحظة فارقة غيرت مجرى التاريخ الحديث.
لقد أثبتت الأيام أن قرار التأميم لم يكن مجرد رد فعل سياسي، بل كان إعلانًا ببدء عصر جديد عنوانه الكرامة والسيادة الوطنية. وستبقى قناة السويس شاهدة على أن إرادة الشعوب الحرة قادرة دائمًا على شفاء أوجاعها وصناعة مستقبلها بأيدي أبنائها.