نحن شعب عظيم، والمواطن المصري ذكي ويعي ما يدور حوله جيداً، حتى وإن لاذ بالصمت طويلاً وكثيراً. تلك حقيقة يقينية تعاظمت حين أدركتُ ردود الفعل على مقالي أول أمس، والذي نُشر بعنوان "أزمة العبّار الإماراتي صاحب مراسي وعلاقتها بالسيادة المصرية"، والذي تناولت فيه أزمة مراسي "العبّار" ونظام الإدارة بها وعلاقة ذلك بالسيادة المصرية.
لا أخفيكم؛ سعدتُ كثيراً سعادةً ممزوجة بالذهول لأن ينطلق هذا الاهتمام من أهلنا الطيبين الذين تحدثوا معي منذ أول أمس حول مضامين المقال، ومنهم من لا يمكن لي أن أتخيل أن هذا الأمر قد يكون في دائرة اهتماماته. وأسعدتني سعادتهم بالتأكيد على أنني فلاح وجزء من كيان الناس، حتى إن أحدهم عقّب بأن تلك الكلمات تنفي وجود أي شبهة يعتقد فيها البعض أنني انتقلتُ من خندق أهالينا البسطاء –الذين لي أن أفخر أنني جزء من كيانهم– إلى مصاف "البهوات" وأصبح لي مكانٌ بمراسي.
يعكس هذا جانباً من جدل مجتمعي كبير طال كل فئات المجتمع، حتى المواطن البسيط الذي لا يعنيه إلا تعظيم الإرادة الوطنية؛ وذلك على خلفية أزمة قرية "مراسي" بالساحل الشمالي بين عدد من الملاك ورجال الأعمال من جهة، وإدارة شركة "إعمار مصر" بقيادة رجل الأعمال الإماراتي محمد العبّار من جهة أخرى، بسبب فرض قيود صارمة على دخول الضيوف وتحديد شروط استخدام الشواطئ، وحالة من الغضب بين الملاك بسبب فرض رسوم مالية واشتراطات مرتفعة لاستخدام بعض الشواطئ والمرافق التابعة للفنادق داخل المشروع، إلى الدرجة التي لجأ فيها نحو 22 مالكاً بمنتجع مراسي للقضاء ضد شركة "إعمار مصر" للمطالبة بتعويضات مالية تجاوزت 100 مليون جنيه نتيجة الانتقاص من منافع الوحدات.
لا شك أن أزمة العبّار مالك "مراسي" أخذت أبعاداً كبيرة؛ لأنها لم يعد منطلقها مجرد خلاف بين ملاك وحدات وإدارة مشروع حول رسوم استخدام الشواطئ وتنظيم دخول الزوار، بل تحولت إلى معركة أكبر شملت تداعيات الاستثمار في مصر، وهل يعمقه استقلالية لدى المستثمر بأن يطلق يده يفعل ما يشاء ويفرض ما يريد من شروط، انطلاقاً من موقف طرف الأزمة الأساسي رجل الأعمال الإماراتي محمد العبّار؟ وعظّم ذلك اصطفافُ البعض من رجال الأعمال والإعلاميين للدفاع عنه، والتركيز على حجم استثماراته ومساهماته الاقتصادية، بدلاً من بحث الأزمة ومنطلقاتها، ومدى علاقتها بسيادة الدولة على أرضها، وكذلك مناقشة شكاوى الملاك والبحث في مدى قانونية الإجراءات التي أثارت غضبهم.
تكمن المأساة التي كشفتها تلك الأزمة في تعاظم النفاق الذي بات أحد أبرز مكونات الشخصية لدى المنتفعين، وتجلى ذلك في أن البعض من رجال الأعمال والإعلاميين كانوا "ملكيين أكثر من الملك"؛ لأنه في الوقت الذي حاول فيه العبّار امتصاص غضب المعترضين والتأكيد على أن إدارة المشروع منفتحة على النقد والملاحظات وتسعى بشكل دائم إلى تحسين مستوى الخدمات وتقديم تجربة أفضل لجميع الزائرين، مناشداً المعترضين بقوله: «إذا أخطأنا في شيء نصلح الخطأ وأرجوكم سامحونا.. الموضوع بالنسبة لنا ليس تجارة ولكن نحن مغرمون بالمهنة والعقار»، نجد من انتفض من رجال الأعمال للدفاع عن العبّار، فمنهم من اعتبر أن الانتقادات التي يتعرض لها تمثل «حملة مصطنعة» تستهدف أحد أبرز المطورين العقاريين الإماراتيين والمستثمرين في السوق المصرية، وآخر قال إنه ليس من المنطقي الهجوم على مستثمر ناجح يسعى للحفاظ على مستوى مشروعه وتنظيمه، أما المذيعة "الفذلكة" فزعمت أن هناك من يستغل أي أزمة لمهاجمة الدولة والمستثمرين والإضرار بصورة مصر الاستثمارية، وزعمت أن البعض يحاول تقديم صورة بأن الدولة غير قادرة على التدخل في بعض الأماكن داخل مصر، وهو ما اعتبرته محاولة لتشوية مناخ الاستثمار.
لا شك أن من يربط بين الحرص على ثوابتنا الوطنية –خاصة فيما يتعلق بالاستثمارات الأجنبية– يعي جيداً قيمة هذا النهج وأهمية إدراك أن تعظيم الاستثمار في مصر يجب أن تكون له أولوية وطنية، شريطة أن يكون ذلك وفق استراتيجيات متنوعة تنطلق من تحسين البيئة التنافسية وتيسير الإجراءات، وتفعيل الحوافز التشريعية، وتطوير البنية التحتية والقطاعات الإنتاجية، وتعظيم الاستثمار الأجنبي في مصر خاصة العقاري؛ وذلك انطلاقاً من تحقيق معادلة جذب النقد الأجنبي عبر تحويلات من الخارج دون المساس بالسيادة الوطنية، من خلال قصر تملك الأجانب على الوحدات المبنية لا الأراضي السيادية، وربط الشراء بإقامات مؤقتة، وتفعيل المنصات الرقمية للتسجيل السريع.
خلاصة القول.. أرى من الأهمية بمكان القضاءُ على هذا الجدل الذي طال الوطن بأكمله، وأن تخرج الحكومة ببيان يتضمن توضيحاً حكومياً قاطعاً لحسم الجدل الدائر، والتأكيد على ثوابتنا الوطنية التي يجب أن تكون منطلقات أي مستثمر في مصر، على أن يتناول البيان أزمة قرية "مراسي" بالساحل الشمالي التابعة لشركة إعمار مصر ورئيسها محمد العبّار، مع التأكيد على السيادة الوطنية، وأن أي مشروع استثماري داخل أراضي الدولة يقع تحت مظلة القوانين المصرية وسيادة الدولة الكاملة دون استثناء، وضرورة التزام الشركات الملوّرة باللوائح والتعاقدات الرسمية بما لا يتعارض مع القوانين العامة، وحقوق المواطنين، وأمن المجتمع