اليوم الجمعة، يوم فضيل من أيام الله تعالى، وفيه يتعين أن نتحلى بالصدق، ونقول الحق، ونصلح ما نرى فيه شططًا لله وفي الله، ويتعاظم لدينا فعل الخير، واحتضان الضعفاء، وجبر خاطر المنكسرين، والتنبيه لأهمية أن يكون الناس أصحاب مبدأ في الحياة، لا يعبث بعقولهم مغرض، ولا يستخدمهم من فقدوا القيمة كما كنا ندرك مسلك بعض المنافقين الباحثين عن دور ولو بالخذلان؛ هذا الخذلان الذي جعلهم يجرون أذيال الخيبة لسوء صنيعهم، بعد رحيل من دفعوا بهم ليسلكوا هذا المسلك اللعين الذي فقدوا فيه قيمتهم.
انطلاقًا من مكاشفة، لا أعرف لماذا أجد نفسي في حاجة لترسيخ «العيش والملح»، والثوابت الأخلاقية التي تربيت عليها طفلًا، خاصة وأنني أرى أن العيش والملح بدأ ينساه كثيرون في هذه الحياة، فبات من الطبيعي أن يفترق رفقاء، ويبتعد أصدقاء رغم أنهم أكلوا معًا «ملاحة رشيد» كما يحلو للبعض أن يقولوا تندرًا بما يحدث؛ مرجع ذلك تجارب الحياة، وصراعات البشر الذين نفقد فيها كرامًا أعزاء فضلاء، يعطون بإخلاص وتجرد، والذين لولاهم ما وجدنا أصحاب خبرات، وعقلاء أثقلتهم التجارب، وفاهمين ينطلق فهمهم من تجاوز المحن وتخطي الصعاب، لذا بات من الطبيعي أن يجري هؤلاء مراجعات مستمرة لمواقفهم، وقراراتهم، وحتى تعاطيهم مع الأمور، يستفيدون فيها من الإخفاقات، ويتعلمون من سلوك أطراف الأزمات، خاصة من طالهم قهر ويبحثون عن طوق نجاة، وخروج من عنق الزجاجة.
هؤلاء من الطبيعي أن يستفيدوا من الجهد المبذول، ومن يرون أنهم سيقع عليهم ضرر فيدافعون حتى ولو ارتكبوا تجاوزات، الأمر الذي يتعين معه عليهم أن يعظموا ما يجدون له مردودًا إيجابيًا على الناس، ويصوبوا السلبي الذي تضرر منه آخرون، وينتبهوا لما يصلهم من إشارات منبعها هذا السلوك المجتمعي الذي يبتغي فيه الأفراد أن تعود عليهم المواقف بمردود إيجابي، وترك السلبيات لمن يحترقون من أجلهم.
رغم ذلك لا تزعجني تلك المسالك، بل أراها طبيعية لأننا نعيش في الحياة الدنيا التي يعيش فيها البشر وهي دار محن وابتلاء، ويبقى من الأهمية أن يخضع الإنسان أي أمر للدراسة المتأنية قبل تبنيه للمواقف؛ لأنه في النهاية هو من سيدفع الثمن من تشويه يتبناه الذين يرون أنهم متضررون، وغيره يجمع الحصاد في حالة تحقيق النجاحات، هذا يجعلنا نقول وبصدق: إنه آن الأوان الآن وقبل سابق بقليل لمن يمارس العمل السياسي، ويشارك في العمل العام، ويتمسك بالدفاع عن المظلومين، ويناضل من أجل إرساء دعائم الحق وجودًا بالمجتمع، ويعشق وطنه، ويصر على أن يراه أعظم الأوطان عن حق وليس بالكلام، أن يبقى حائرًا ما بين قلبه، وعقله، وضميره.
قلبه يخفق حبًا وهائمًا في وطن غالٍ نفتديه بأرواحنا، ونذود عنه كل مكروه وسوء، ومع ذلك قد يتأثر مجتمعيًا بتطاحنات السياسة وآثامها، بعد أن طال المشهد حالة من الهزل، وتصدّره من يريدون أن يكونوا على قمته منفردين، دون إدراك أن الحياة ما أقامها رب العالمين سبحانه إلا لإرساء التعاون، لاستحالة وجود شخص يستطيع أن يكون كل شيء وأي شيء بالمجتمع، وأبدًا ما كان معسول الكلام بابًا للتقدم والرقي إنما وجود آليات محددة يحكمها العقل، ومصداقية في الطرح، وآخرون لديهم يقين أن صعودهم لن يكون إلا على أشلاء المنافسين، وليس ببذل الجهد لتقديم أفضل مما يقدمه منافسوهم، ينطلقون من هذا الفكر الذي لا يمكن له أن يبني من أحضان السلطة دافئًا سياسيًا ومجتمعيًا قد يفتقدونه في لحظة، لأن دوام الحال من المحال.
عقله يكاد يفقده عندما يجد المتناقضات تتحكم في كل شيء، في إصرار على تغييب العقول وإحداث حالة من اللاوعي عند الناس كل الناس، الأمر الذي يكاد معه يلعن السياسة والسياسيين.
أما ضميره فيكاد تدمره المآسي والهموم والضغوط وقهر الإنسان لأخيه الإنسان، فيفقد بذلك أروع ما في النفس البشرية ومحور الانطلاق نحو التقدم والرقي والرخاء. لذا أتمنى ألا نظل على هذا النحو من السوء فتصيبنا الحيرة ونفقد الذات ويتلاشى عندنا الأمل ولو في غدٍ مشرق، ونظل على هذا النحو من السوء إلى أن يمر العمر مسرعًا ونكتشف أننا أصبحنا في خريفه نستعد للآخرة ولقاء رب كريم، ونورث الأجيال القادمة مأساة الصراع، خاصة بعد أن نكتشف أننا أمام سراب فرضه الوهم.