بات يشغلني واقعنا المجتمعي الذي لا يتناسب مع تاريخنا العظيم، وكيف يمكن لنا أن نستحضر تاريخنا العظيم ونتعايش معه واقعاً حقيقياً يؤثر في سلوك الناس للأحسن، خاصة بعد أن أصبحنا نتعايش ونتناغم مع كل المتناقضات، إلى الدرجة التي بات سلوك كل البشر — وفي القلب منهم العاملون مع رئيس العمل — تحكمه المنفعة وما يطمحون إلى تحقيقه من مكاسب من خلاله. ومن ناحية أخرى، يأتي سلوك رئيس العمل ونهجه مع من هم تحت ولايته مرتبطاً بمدى المردود عليه منهم أدبياً أو مادياً، وما يترتب على ذلك من تبرير أخطائهم، والتجاوز عن زلاتهم، بينما غيرهم يسحقهم لمجرد الظنون، وهكذا في كل موقع.
قولاً واحداً.. يتعين أن نطرح الحقيقة بغية الإصلاح وتصويب المسار، على أن يكون ذلك في إطار من الموضوعية والاحترام والحجة والبيان، وليس التهييج وطمس معالم الحقيقة، وتعظيم المتناقضات، والدفع في اتجاه المشاحنات. ولنضع حداً لهذا السلوك المشين والذي مؤداه أن الكل بات يخدع الكل، والكاسب الوحيد ليس المجد والمجتهد، بل من لديه أدوات أكثر في الإبداع الخادع، وهذا أمر جلل بحق، يحكمه النفاق وتحدد معالمه الخدعة. بالمجمل، يتعين أن نقول الحق، ونتحدث بالصدق، ونثق في رحمة رب العالمين سبحانه ونصرته لكل مظلوم، وليستقر اليقين أن الصدق منجاة، والحق طريق الصواب لأنه اسم من أسمائه سبحانه وتعالى.
كثيراً ما ينتابني الذهول من هول ما أرصد في سلوك الناس وتصرفاتهم، حتى أنني ذات يوم واجهت إصراراً من البعض على أن مصلحة إدارية بعينها ستنهار بكاملها وسيتم تدمير منظومتها إذا تولاها شخص بعينه، تشير كل التقارير الشفافة إلى أنه هو المستحق بحكم الخبرة والوضع الوظيفي ومكونات الشخصية. وعبثاً حاول المخلصون الإقناع رفضاً للمشاركة في توجه الإبعاد دون جدوى، فكان التدخل للحفاظ على الحق. ثم عندما تولى هذا الشخص رئاسة الموقع رسمياً، وجدنا الأشخاص أنفسهم، ذاتهم وبشخاصهم، هم من يمدحون فيه ويسوقون مبررات توليه هذا الموقع الذي حاول كثر إقناعهم بأنه جدير به دون جدوى؛ كل ذلك بغية حجز مكان بجواره، أو أن يطولهم قرار من قراراته يكون له مردود وظيفي متميز عليهم.
والكارثة أن أحدهم، إمعاناً في التدليس، يحاول إقناع الآخرين بأن ما كان يطرحه بهذا الشأن كان على سبيل "الهزار"؛ خشية أن يكشف أحد للمدير اسمه، ظناً منه أن من يحاول خداعهم ليتقيهم يمتلكون عقلية تتشابه مع عقليته الفاسدة ومن معه في عدم إدراك قيمة أن للمجالس أمانات، وأن ما لدى الكرام من أمانات أئتمنهم الناس عليها انطلاقاً من ثقة سيأخذونها معهم إلى قبورهم ولن يبوحوا بها مهما شاب العلاقات بينهم وبينه من تقلبات.
لا شك أن لهذا النهج البغيض تداعيات سلبية على الوطن بكامله؛ لأن تلك الظاهرة غاصت في أعماق المجتمع وأصبحت تتحكم في مفاصله، لذا أصبح من واجب كل أبناء الوطن أن يتصدوا بعقلانية وإتزان وهدوء لهذا النهج البغيض، والعمل على تغييره، وتنظيف تلك العقول مما علق بها، ومحاولة توضيح المفاهيم بهدوء، ومعالجة الترديات بعقلانية، والدفع نحو التقارب والتلاحم والاصطفاف لتقديم الخير للمجتمع والنهوض بهذا الوطن.
خلاصة القول.. نحن على المحك، وما هو قادم بات هاماً لأننا نتحدث عن مجتمع ومكوناته وتعامل الناس فيه. وهذا الذي يحدث فيما يتعلق بسلوك الناس المتناقض وهذا النفاق لا يؤسس على الإطلاق لمجتمع متماسك ومترابط ومحترم ينشد من فيه العزة والإنطلاق إلى آفاق التقدم والرقي، الأمر الذي أَدقُّ معه ناقوس الخطر لكل من يعنيهم أمر الوطن، وأساتذة علم الاجتماع، والباحثين في علم النفس، أن يفكروا في مخرج سريع للخروج من هذا الواقع المرعب والمتردي.
أصرخ حباً وخوفاً على وطننا الغالي منبهاً ومحذراً، لا أبتغي من ذلك البحث عن موقع مجتمعي رفيع، فقد وصلت إلى ما لم يصل إليه إلا القليل من أبناء جيلي مجتمعياً كنائب بالبرلمان، ووظيفياً كقيادة صحفية، وقبل كل ذلك أصبحت أنتمي إلى جيل سبقنا فيه الكرام إلى دار الحق، وبات كل من فيه في خريف العمر يستعدون للقاء رب كريم. تبقى الحقيقة التي تبحث عن حلول انطلاقاً من واقعنا المرير ومستقبلنا الغامض، والأمل في التغيير لما هو أفضل.
حفظ الله مصرنا الحبيبة ووطننا الغالي من كل مكروه وسوء.