محاولةً للفهم وترسيخاً للمصداقية، يأتي تناولي للعديد من القضايا انطلاقاً مما عايشته في أزمنة متعاقبة وما أدركه الآن في واقع الحال، لعلني أستطيع الوصول لتصورٍ أطرحه يتعلق بواقعنا السياسي، يتسم بالاحترام ويتحلى بالمصداقية، خاصة بعد مرور اثنين وأربعين عاماً في العمل السياسي والصحافة.
ليس لي رغبة في شيء؛ فقد أصبحت أنتمي لجيل زهد كلُّ من فيه بكل شيء، وبدأ كل منهم يستعد للرحيل وفق مقدور الله تعالى رب العالمين، لذا لم يعد لنا طموح في شيء، إنما أكتب تصويباً لما أدركته، لينطلق الأجيال القادمة في حاضرهم ومستقبلهم من ثوابت محترمة افتقدها أبناء جيلي كثيراً. ويتعاظم ذلك أنني حققتُ مجتمعياً وبرلمانياً وسياسياً وصحفياً خلال كل تلك السنوات الطوال ما لم يستطع كثيرون من أبناء جيلي تحقيقه.
يقيناً.. لم تعد السياسة كما قال الوزير المخضرم كمال الشاذلي "نجاسة" وفقط، بل أصبحت في الآونة الأخيرة رجساً من عمل الشيطان، لذا بات من الطبيعي أن يتجنبها أصحاب النفوس الطيبة الذين تربوا على القيم والمبادئ والأخلاقيات وينشدون المحبة بين الناس، الأمر الذي يصبح معه من الطبيعي أن يكون أسعد الناس من يبتعد عنها ولا يشارك فيها، بل ولا يقترب من ممارسيها حفاظاً على نفسه حتى لا تناله مكيدة من أحد.
الأمر الذي أصبحتُ معه مديناً بحق بالاعتذار للوزير كمال الشاذلي -رحمه الله- لأنني اختلفت معه بشدة وبقوة تحت قبة البرلمان اعتراضاً على مقولته إن "السياسة نجاسة". الآن أعترف أنه كان على صواب وكنت أنا على خطأ، لأنني بعد كل هذه السنين في العمل السياسي والتنفيذي اكتشفت أنها ليست نجاسة وفقط، بل باتت من الموبقات والمحرمات ورجساً من عمل الشيطان يتعين اجتنابه، لذا بات من المهم الابتعاد عنها.
ويبقى للتاريخ توضيح أنها كانت كذلك في الماضي لكننا لم ندرك ذلك نظراً للدور العظيم الذي أداه الدكتور أحمد فتحي سرور -رئيس مجلس الشعب السابق- في محاولة لكبح جماح هذا التردي الذي إنفرط عقده الآن وبات على رؤوس الأشهاد، بل يُحسب له أنه تمسك بترسيخ الاحترام بين السياسيين وأعضاء الأحزاب ورفض كافة أساليب الانحطاط.
قولاً واحداً ووحيداً.. السياسة باتت في تقديري أشبه بلعب القمار، ففي غمضة عين نجد من كان في الأعلى أصبح في الأسفل، ومن كانت تلاحقه الكاميرات يتحاشاه الإعلاميون، ومن كان هاتفه لا يتوقف عن الرنين ابتغاء مصلحة أو طلباً لدعم أو مساندة أو عون، يقسم من كان يطارده عبر الهاتف بأغلظ الأيمان أنه لم يقصده يوماً في مصلحة! بل وصل الحال إلى أن يهرب من لقائه بعض من كانوا يتمنون رؤيته والبحث عن معرفةٍ تُعمّق الصلة به، بل ويتباهى أنه لم يلتقِ به في حياته!
لاشك أن هذا المشهد الدراماتيكي الواقعي كشف عن تدني الواقع السياسي في دول العالم الثالث -وفى القلب منها مصرنا الحبيبة- وزيف السياسيين جميعا بلا استثناء، لأنهم لم يستطيعوا عبر أجيال متعاقبة إحداث تغيير لهذا الواقع المرير، بل على العكس من ذلك تماماً، اجتهدوا بممارساتهم الخاطئة لترسيخه. ولماذا "بلا استثناء"؟ لأن كل سياسي من الطبيعي أن تكون له علاقة برمز سياسي يقدمه للمجتمع ويتبناه ويدفع به لصدارة المشهد، ومع ذلك يحلف كل منهم بأغلظ الأيمان أنه ولد سياسياً بل رضع السياسة من ثدي أمه، لذا كان من الطبيعي أن يتنصل كل سياسي من صانعيه.
كل ذلك يرسخ في الوجدان أن ممارس السياسة أصبح كلاعب القمار؛ في لحظة يجد نفسه يحقق كل المكاسب وفوق كل البشر، وفي لحظة يخسر كل شيء ويصبح في أسفل المحيط. وهذا طبيعي بعد أن اقترنت الممارسة السياسية بالمصالح الشخصية، لذا وجدنا السياسي وهو في الكادر يتولى أبناؤه أرفع المناصب ويتصدرون المشهد الوظيفي والمجتمعي، وعندما يتوارى عن المشهد يتعرضون للإضطهاد ولا يستطيع هو نفسه حمايتهم أو الدفع بمن تبقى من أبنائه في أي موقع رفيع.. وهنا مكمن الخطر