رئيس مجلس الإدارة
شريف عبد الغني
رئيس التحرير
ناصر أبو طاحون
رئيس التحرير التنفيذى
محمد عز
  1. الرئيسية
  2. وجهات نظر

محمود الشاذلي يكتب: القاضي المزيف يكشف كارثية ظاهرة إنتحال الصفة في مصر

 

​تُعد قضية إنتحال صفة صحفي، أو مستشار، أو طبيب، أو إعلامي —على سبيل المثال لا الحصر— من أخطر القضايا المجتمعية التي يشهدها المجتمع الآن، والتي تفاقمت إلى الدرجة التي ادعى معها شخص أنه مستشار، وصال وجال في المحاكم، وأقام الولائم واستقبل المهنئين في غفلة من الجميع. يؤكد هذا الأمر غياب الوعي المجتمعي بالكلية، وأدى إلى انتشار كيانات وهمية تمارس الابتزاز وتسيء لأصحاب الكفاءات الحقيقيين، ومرجع ذلك حالة التراخي في التصدي لتلك الظاهرة، حتى اعتقد البعض —خطأً بالتأكيد— أن هناك من يريد ترك العنان لكل شخص ليفعل ما يشاء من قبيل الإلهاء.

​من المؤلم أنه لم يعد مستهجنًا أن يختار أي شخص لنفسه نهجًا في الحياة يمنح فيه نفسه وظيفة رديعة، ويزعم انتسابه لأي فئة من فئات المجتمع؛ حتى إننا أدركنا كثيرين ممن انتحلوا صفة إعلامي، حتى بات من الطبيعي أن يمتد ذلك لانتخاب صفة طبيب أو مهندس أو حتى ضابط، ولكنها المرة الأولى التي نرى فيها انتشال صفة قاضٍ. قام بهذه الجريمة عاطل من خلال الظهور أمام الجميع في هيئة قاضٍ، مستغلًا وشاح الهيئات القضائية وقاعة إحدى المحاكم لإقناع ضحاياه بأنه يمتلك نفوذًا وسلطات تمكنه من إنهاء القضايا والإجراءات القانونية مقابل مبالغ مالية.

​لا شك أن هذا يمثل اعتداءً صارخًا، ليس فقط على هيبة المؤسسات، بل على ثوابت الدولة المصرية العريقة نفسها، ويُظهر —على غير الحقيقة— الأجهزة بمظهر الهشاشة والضعف. إنها لكارثة أن يُقال إن الدولة المصرية بكل عراقتها وتاريخها عاجزة عن التصدي لتلك الظاهرة التي تؤصل لنهج البحث السريع عن الثراء أو النفوذ استغلالًا للألقاب الكبيرة لإقناع الضحايا بقدرات وهمية على قضاء المصالح أو العلاج، الأمر الذي اهتزت معه ثقة بعض المواطنين في المؤسسات الرسمية والمهن الحقيقية كالقضاء والصحافة والطب.

​إن ظاهرة النصب بانتشال صفة صحفي ليست وليدة اليوم، بل هي موروث بغيض ومستهجن يرجع لعشرات السنين، عايشته الجماعة الصحفية وما زالت، حتى ترسيخ لدى كثيرين —حتى من المسؤولين— أن الصحافة أصبحت مهنة من لا مهنة له. ظلّت نقابة الصحفيين جيلًا بعد جيل تتصدى لظاهرة انتشال صفة صحفي؛ لأن هذه الجريمة أهدرت قيمة الصحافة العظيمة في أعين البعض. كما تسعى النقابة لمنع الكيانات المنتحلة لصفة الصحافة لحماية المهنة ومواجهة أي محاولة للإساءة إليها، مع التمسك الكامل بالتصدي بحزم لجريمة انتشال صفة صحفي التي تمثل مخالفة للمواد (65) و(103) و(115) من قانون نقابة الصحفيين رقم 76 لسنة 1970، والتي تحظر ممارسة العمل الصحفي أو انتشال لقب "صحفي" لغير المقيدين بالنقابة، وتنص على عقوبة الحبس لمدة لا تزيد على عام والغرامة أو إحدى العقوبتين.

​لذا، أتفق تمامًا —بصفتي عضوًا بالجمعية العمومية لنقابة الصحفيين ومن الصحفيين الرواد— مع الكاتب الصحفي الزميل العزيز محمد السيد الشاذلي، عضو مجلس نقابة الصحفيين، في أنه لا بد من وقفة جادة، خاصة وأن القانون واضح والنقابة هي العنوان الوحيد للصحافة في مصر؛ لذا علينا أن نتصدى لهذه الظاهرة بحسم، وأن ندفع باتجاه تشديد قبضة المساءلة والحساب. كما أتفق تمامًا مع تأكيد الزميل العزيز الكاتب الصحفي خالد البلشي، نقيب الصحفيين، بأن موقف النقابة سيظل مساندًا لكل ممارسي المهنة الحقيقيين (نقابيين أو غير نقابيين) والدفاع عنهم في مواجهة أي تجاوزات، وأن النقابة ستظل تتصدى لمنتحلي الصفة الذين يستغلون المهنة لتحقيق مكاسب، مع ضرورة إغلاق الأبواب أمام المنتحلين بمد يد الحماية النقابية لممارسي المهنة الحقيقيين، بما يسمح للنقابة بضبط السوق الصحفي ومحاسبة المتجاوزين.

​خلاصة القول.. ماذا بعد كارثة العاطل الذي انتخل صفة مستشار وتنامي انتشال الصفة لمهن رفيعة كثيرة؟ هل ما يحدث مجرد "هوجة" يلوذ بعدها الجميع بالصمت وترجع "ريما لعادتها القديمة" اعتمادًا على ذاكرة السمك التي غاصت في أعماق المجتمع المصري؟ أم سنجد انتفاضة حقيقية من الأجهزة الأمنية والرقابية ذات التاريخ المشرف والتي تضم أفضل الكفاءات في العالم، للقضاء على هذا الخلل المجتمعي الذي عمّق النصب والاحتيال، انطلاقًا من تشريع قانون يردع هذه الظاهرة ويجتثها من جذورها، ويحفظ لفئات المجتمع هيبتها، ويعيد لها مكانتها؟