من أصدق الكلمات التي ينطق بها المظلوم قول الله تعالى على لسان عباده: حسبي الله ونعم الوكيل، خاصة عندما تخرج من قلب انكسر ومن نفس سُلب حقها فتفوض أمرها إلى الله العادل الذي لا تضيع عنده الحقوق ولكن المؤلم أن هذه العبارة العظيمة فقدت عند البعض معناها الحقيقي بل وأصبحت تُستخدم في غير موضعها حتى تحولت في أحيان كثيرة إلى وسيلة للدفاع عن الخطأ وتبرير المخالفة والهروب من تحمل المسؤولية فبمجرد أن يطبق القانون على شخص خالف النظام، أو يطالبه المجتمع باحترام حقوق الآخرين، ترتفع الأصوات: "حسبي الله ونعم الوكيل... قطعوا عيشه!" وكأن كل من يُحاسب علي خطأ إرتكبه أصبح مظلومًا وكل من يطالب بحقه أصبح ظالمًا وكأننا أصبحنا نعيش حالة غريبة من قلب المفاهيم فمن يحول حياة حي كامل إلى ضوضاء لا تنتهي ويشغل مكبرات الصوت في ساعات الراحة ولا يراعي مريضًا أو طالبًا أو طفلًا إذا اشتكى السكان وتحركت الجهات المختصة قيل إن الناس قطعوا رزقه.
ومن يفرض على المواطنين أجرة أعلى من التعريفة الرسمية، أو يستغل حاجة الناس لتحقيق مكاسب غير مشروعة فإذا عوقب وفق القانون قيل إنه "غلبان"، ومن يقود دراجة نارية أو "توك توك" بسرعة جنونية داخل الشوارع السكنية ويتمايل بالمركبة ويعرض حياة الأبرياء للخطر فإذا أبلغ عنه مواطن يخشى على أطفاله أصبح المُبلغ هو المعتدي بينما تحول المخالف إلى ضحية يستحق التعاطف، بل الأكثر من ذلك أن البعض لا يتردد في لوم رجل الشرطة لأنه أدى واجبه أو في مهاجمة المواطن الذي أبلغ عن المخالفة،وكأن حماية المجتمع أصبحت جريمة وبكل أسف هذه الثقافة أخطر من المخالفة نفسها لأنها تزرع في النفوس أن الخطأ يمكن الدفاع عنه إذا أحطناه بعاطفة زائفة وأن القانون عدو للفقراء وأن النظام يقف ضد البسطاء بينما الحقيقة أن القانون لابد أن لا ينظر إلى غني أو فقير وإنما ينظر إلى الفعل ذاته فالفقر لا يبرر إيذاء الناس والحاجة لا تمنح أحدًا حق الاعتداء على حقوق الآخرين.
وبكل أسف امتدت هذه الثقافة الغير أخلاقية والغير دينية إلى أماكن العمل إن لم تكن قد خرج إلينا من أماكن العمل نفسها فالموظف الذي يتأخر يوميًا عن الحضور أو يتغيب بلا عذر أو يترك مكتبه قبل انتهاء ساعات العمل أو يقضي وقت الدوام في مصالحه الخاصة ثم يخضع للتحقيق أو الخصم يعتبر نفسه مظلومًا وينسى أن هناك مواطنًا انتظر ساعات لإنهاء مصلحة تعطلت بسبب إهماله وأن راتبه الذي يتقاضاه هو أمانة مقابل عمل يؤديه بإخلاص لا مقابل حضور شكلي أو توقيع في دفتر الانصراف والأدهى من ذلك أن البعض يهاجم الإدارة التي تحاسبه بدلًا من أن يطالبه بالالتزام، وكأن الانضباط الوظيفي أصبح ظلمًا بينما التقصير أصبح حقًا مكتسبًا.
بل وإمتد هذا الإنحدار الخلاقي والسلوكي إلي أحد أعظم اليادين ميدان التعليم حيث تُصنع الأجيال وتُبنى الأوطان فتظهر ممارسات فردية لا تمثل آلاف المعلمين الشرفاء الذين يؤدون رسالتهم بإخلاص لكنها تسيء إلى المهنة كلها فحين يستغل بعض المعلمين حاجة الطلاب إلى التفوق أو يمارسون ضغوطًا على أولياء الأمور لدفع تكاليف الدروس الخصوصية أو يربطون بين الشرح الجيد والدفع فإنهم لا يظلمون أسرة بعينها فقط بل يظلمون رسالة التعليم نفسها وعندما تُكشف هذه الممارسات أو يُحاسب مرتكبوها يتكرر المشهد ذاته: حرام... قطعوا عيشه وكأن حق الطالب وحق ولي الأمر وحق المجتمع في تعليم عادل لا قيمة له أمام تبرير الخطأ.
عزيزي القارئ التعاطف قيمة إنسانية نبيلة لكنه يفقد معناه حين يتحول إلى حماية للمخطئ على حساب المظلوم فمن حقنا أن نتعاطف مع ظروف الناس لكن ليس من حقنا أن نجعل الظروف مبررًا لانتهاك القانون أو الاعتداء على الآخرين فالرزق لا يأتي من الفوضى ولا من استغلال الوظيفة ولا من مخالفة القانون ولا من ترويع المواطنين ولا من تعطيل مصالح الناس ومن يعمل بشرف ويحترم النظام لن يخشى الرقابة ولن ينزعج من المحاسبة لأن المحاسبة لا يخشاها إلا من يعلم أنه قصر أو أخطأ فلقد أصبحنا في حاجة إلى مراجعة حقيقية لثقافتنا المجتمعية، ومازلت أنادي بأعلي الصوت نحن في زمن الردة الأخلاقية نعبش الإنجدار الأخلاقي بل والقيمي والسلوكي وآن الأوان أن نتحد جميعًا للمقاومة قبل فوات الأوان فليس كل من بكى مظلومًا وليس كل من قال "حسبي الله ونعم الوكيل" صاحب حق وليس كل من عُوقب ضحية فالميزان الحقيقي ليس ارتفاع الصوت ولا كثرة المتعاطفين وإنما مراقبة الله ثم احترام الحق والالتزام بالقانون وصيانة حقوق الآخرين.
نحن نحتاج أن نربي أبناءنا على أن الاعتذار عن الخطأ شجاعة وأن الاعتراف بالتقصير فضيلة وأن احترام النظام ليس ضعفًا بل دليل على التحضر ونحتاج أن نغرس فيهم أن الإبلاغ عن المخالفات ليس وشاية بل مشاركة في حماية المجتمع وأن السكوت عن الخطأ حين يضر الناس ليس رحمة بل مشاركة فيه، إن الأوطان لا تُبنى بالشعارات وإنما تُبنى حين يشعر كل مواطن أن حقه مُصان وأن القانون يُطبق على الجميع بلا استثناء وأن من يلتزم لا يُساوى بمن يخالف وأن من يجتهد لا يُساوى بمن يقصر، وتبقى قاعدة واحدة لو التزم بها الجميع لانتهت معظم هذه المشكلات ألا وهي "حريتك تنتهي عند بداية حرية الآخرين"، فلا ترفع صوتك فتسلب الناس هدوءهم ولا تتهور في القيادة فتسلبهم أمنهم ولا تستغل وظيفتك فتسلبهم حقوقهم ولا تتقاعس عن أداء واجبك ثم تطالب بالتعاطف ولا تجعل من الدين أو من العبارات الجليلة ستارًا يختبئ خلفه الخطأ.
إن حسبي الله ونعم الوكيل دعاء المظلوم لا حجة المخطئ والقانون لا يقطع الأرزاق بل يحفظ حقوق الناس ويصون المجتمع ويضمن أن يعيش الجميع في وطن يحترم الإنسان ويُعلي قيمة الحق ويحاسب من يخطئ أيًا كان موقعه، وللحديث بقية...