رئيس مجلس الإدارة
شريف عبد الغني
رئيس التحرير
ناصر أبو طاحون
رئيس التحرير التنفيذى
محمد عز
  1. الرئيسية
  2. وجهات نظر

محمود الشاذلي يكتب: بسيون تنتظر.. فمن يعطيها قبلة الحياة؟

اليوم الجمعة، وفيه أفضفض بما في القلب انطلاقًا من الصراحة والوضوح والشفافية؛ لعل ذلك يطيب الخاطر الذي بات يؤلمه ما أتعايشه في المجتمع من ترديات، وما أدركه من إخفاقات، وما ألمسه من تناقضات طالت مجريات الحياة كلها. ما يطيب الخاطر أنني أحببتها حب العاشقين، لذا دائماً ما يطيب لي أن أبوح لها بما في صدري وتستشعر نبضات قلبي، وأهرول إليها مسرعاً لمجرد الإحساس بالاقتراب من أجوائها. احتضنني غيرها كثير في ترحالي، لكنني لم أشعر بالحميمية إلا في أحضانها؛ لأنني أعشقها عشق الوجود الطيب، وكيف لا أعشقها عشق الوجود الطيب وهي نبع السكينة والراحة والاستقرار وكل الحنان؟ لا أخجل أن أشدو بها أمام كل الخلق، لكن في رحابها يخرجني عن صمتي رائحتها الذكية التي عطرت الجو كله. معشوقتي لا يطيب لي المقام إلا في رحابها، إلى الدرجة التي أيقنت معها أن هناك من استخدم السحر حتى لا أبتعد عنها، وأغيب عن الوجود تأثراً بالسعادة التي أشعر بها حيث أأنَس بها، فلا أنتبه لمن يخاطبني حتى ولو ارتفع صوته ليسمع الجيران.
​لي أن أسجل شعوري بالفخر ذات يوم ابتهج فيه أبناء بلدي "بسيون" وهم يسمعون شاعرها الكبير فكري الزيات، ابن قرية جُناج، وهو يشدو ويقول:

"يا بسيون اصعدي فوق السماء
 وابعثي التاريخ يحكي عن دماء الشهداء
 قد عزمنا .. قد عزمنا أن نربي للحياة
 جيلنا الآتي سيمشي فوق هامات الطغاة
 واستعادوا مجد سينا ثم قاموا للصلاة"

في محاولة منه لتذكيرهم بتاريخهم العظيم، فكانت الاستجابة والوقفة البطولية معي في انتخابات برلمان 2000 ــ 2005، الذي تشرفت فيه بالفوز بعضوية البرلمان بإرادة حرة منزهة، وشعبية حقيقية بلا زيف.
​لا أنكر أنه أحياناً أتألم وأنا في معيتها، وأتعجب من هذا القدر الذي جعلني أعيش بها ومعها وفيها، تأثراً بتلك الحالة من التردي التي جعلت الكل يتجاوز في حق الكل، حتى إن البعض يقول لي: لا نعلم على أي منطق تعشق بسيون وتشدو بها في العالمين، وسجلت في مضابطها أنك أسميتها تحت قبة البرلمان "بسيون العظيمة"، رغم أنها على هذا النحو المتردي في كل شيء لتكون أفقر وأقل مركز على مستوى الجمهورية! وستظل—رغم تفاؤلك بوجود الفاضلة الكريمة الدكتورة جيهان القطان، ابنة الأصول والنموذج المشرف ليس للمرأة المصرية فحسب إنما للإدارة المحلية أيضاً، وإن كان وجودها رئيسة لمركزها ومدينتها أقل بكثير من مكانتها—ولكن كيف تفعل في ظل إمكانات معدومة وتهميش حكومي غير مسبوق؟ والمقربون يقولون: يا ليتك استجبت لنصيحة أستاذك العظيم الكاتب الصحفي الكبير والمؤرخ العظيم جمال بدوي (ابن بسيون) قبل 42 عاماً في بدايات عملك الصحفي في بلاط صاحبة الجلالة "الصحافة"، بأن يطيب بك المقام في القاهرة وتستجيب له مع إخوتك فتكونوا من سكان أرقى ضواحي القاهرة حيث مدينتا "الرحاب" و"مدينتي"، حتى أبناؤك غادروها إلى المقطم والمعادي، وأنت قابع فيها تعيش الهموم كل يوم ألواناً وأشكالاً! الأمر الذي معه أكاد أصرخ بأعلى صوتي: انتباه يا كل الخلق.. حبيبتي بسيون على وشك الاحتضار، فمن يعطيها قبلة الحياة؟
​استرجعت كل ذلك والألم يتملكني، والحزن يعتريني من تنامي تلك الحالة اللامعقولة واللامقبولة واللامفهومة، والتي تتعلق بسلوك بعض الناس الذين يتم استخدامهم لترسيخ كل ما هو تجاوز مجتمعي، فاقدين للرؤية وباحثين عن دور حتى ولو كان يتسم بالتدني والانحطاط، لذا كان تفاعلهم مع الأحداث التي تشهدها بلدتي يتسم بالبشاعة ويصب في اتجاه التشرذم والتطاحن وترسيخ الصراعات، الأمر الذي معه تلاشى الاحترام وندر وجود المحترمين في حياتنا، خاصة وأن الجميع باتوا يدفعون في طريق الانقسامات. كل ذلك جعلنا ننتبه إلى أن لدينا أزمة حقيقية تتعلق بنمط السلوك وأسلوب النشأة وكيفية التفاعل وآليات التعامل.
​نعم، نعيش في بلدتي بسيون تراجديا حقيقية ظهرت بوضوح بعد رحيل عظماء بلدتي (بسيون البندر والمركز والقرى والكفور والعزب) للإقامة بالقاهرة، وتتنامى كلما رحل الأخيار. انتبه إليها العقلاء بعد أن بات من الطبيعي أن يكون التفاعل المجتمعي بين الجميع منطلقه آليّة لا تليق بتاريخها وعراقة عائلاتها، وأصبح من الطبيعي أيضاً استخدام "الفيس بوك" في تعظيم المساخر، وأن تكون هناك أطراف متعددة كلها على طرفي نقيض، كل طرف يبدع في مفردات التطاول والتجريح بحق الطرف الآخر. الكارثة أنه دخل حلبة هذا النهج البغيض بعض مؤيدي النواب والشخصيات العامة، والخلاف لم يعد للصالح العام، بل بات يحكمه أن أنصار النائب فلان اتجاههم كذا، فيكون الاتجاه المعاكس هو نهج أنصار الآخرين! وبين هؤلاء وأولئك باتت بسيون نموذجاً معيشياً مؤلماً، وباتت على وشك أن يسقط سقفها على الجميع فيكونوا نسياً منسياً، خاصة عندما ضاعت الحقيقة، وتشرذم الناس، وتنامت الصراعات، وتعاظمت الأحقاد، ودخل حلبة الصراع من ليسوا مقتنعين بهذا النهج من الأساس، فتعاظم الهجوم على أي شيء وكل شيء، وأصبحنا لا نعرف مَن مع مَن بالضبط، حتى فقدنا القدرة على معرفة معالم الحقيقة، وبالتالى انهارت البنية الشخصية والمجتمعية ببلدتي بسيون. وهنا ندرك مكمن الخطر، خاصة عندما يفقد الجميع الهوية، ولا يجدون ما يجعلهم يتفقون عليه ويتمسكون بتحقيقه ليعود بالنفع على كل أهالينا.
​دائماً ما يكون هناك حديث هامس بيني وبين رفقاء الطفولة والصبا وزملاء الدراسة—بالمجمل رفقاء رحلة العمر—ودائماً ما تجسده نبضات القلب لأنه يتسم بالإخلاص، ودائماً أيضاً ما ينتهي بـ: هل يمكن أن يعود إلينا ماضينا ونتعايشه ونحن في خريف العمر الآن نستعد للقاء رب كريم، وندرك عظمة ما عايشناه من محبة في طفولتنا قبل أن نكون ساكني الطرف الآخر من "عمر زعفان" حيث المقابر دار البقاء؟ هل يمكن أن ننتبه إلى أنه آن الأوان أن يُعلي الجميع الحس الوطني، ويصمتوا صمت ساكني القبور، ويردع كل طرف من معه، وينفضوا عن كاهلهم غبار التخلف، ويطهروا القلوب من السواد الذي طمس عليها حتى سحق المحبة، وما في العقول من تخلف وصل إلى حد تقديس الأشخاص والترويج لهم على أنهم بناة الحضارة رغم التدني الذي يرضخ فيه الناس، والزعم بأنهم بناة "بسيون الحديثة" رغم أنها تغوص في أعماق التخلف وبراثن التردي والانحطاط؟
بالمجمل.. حبيبتي على وشك الاحتضار، فمن يعطيها قبلة الحياة؟