شهدت مدينة زفتى بمحافظة الغربية تطورًا جديدًا في واقعة ما يُعرف إعلاميًا بـ«مستريح زفتى»، بعد تمكن الأجهزة الأمنية من ضبط المتهم داخل مطار سفنكس الدولي أثناء محاولته مغادرة البلاد إلي دولة قطر حيث يعيش أحد أقارب زوجته، عقب اتهامه من عدد من المواطنين بجمع مبالغ مالية كبيرة منهم بزعم توظيفها في تجارة الأدوية البشرية، مقابل منحهم عوائد شهرية مرتفعة وتأتي عملية الضبط بعد ساعات من تصاعد البلاغات وتكثيف التحريات الأمنية بشأن الواقعة.
وتستمع نيابة زفتى إلى أقوال المتهم عقب ضبطه واستجوابه في مباحث الأموال العامة بطنطا، في خطوة ينتظر أن تكشف جانبًا مهمًا من تفاصيل التعاملات المالية محل البلاغات، وطبيعة النشاط الذي كان يعلن عنه للمتعاملين معه، ومدى حقيقة الأموال التي تسلمها، وأوجه استخدامها، فضلًا عن تحديد المسؤوليات القانونية في ضوء ما تسفر عنه التحقيقات.
وأكد المحامي إبراهيم العرابي محام الضحايا، أن مثول المتهم أمام النيابة يمثل خطوة مهمة لكشف حقيقة الواقعة والوقوف على طبيعة التعاملات التي تمت بينه وبين الضحايا.
مدرس لغة عربية وتجارة أدوية
وبحسب البلاغات وروايات عدد من المتضررين التي نشرتها “الرأي العام”، فإن المتهم البالغ من العمر نحو 50 عامًا، يعمل مدرسًا للغة العربية بإحدى المدارس بمدينة زفتى، وكان إلى جانب عمله في مجال تجارة وتوزيع الأدوية البشرية على الصيدليات، وتشير الروايات المتواترة إلى أن هذه العلاقة المهنية والاجتماعية أسهمت في بناء قدر كبير من الثقة بينه وبين عدد من زملائه، قبل أن يعرض عليهم استثمار أموالهم في النشاط التجاري الذي يعمل به، مع وعدهم بعوائد شهرية مرتفعة، ولم يبدأ الأمر بالتوقف عن السداد، بل على العكس.
كان المتهم ينتظم في صرف العوائد خلال الأشهر الأولى، وهو ما شجع بعض المتعاملين معه على زيادة المبالغ التي سلموها له، كما شجع آخرين على الدخول في التعامل معه من الأساس، وكانت السرية هي كلمة السر في التعاملات حيث أكد عدد من الضحايا أن المتهم كان يحرص على ألا يعرف المتعاملون معه بعضهم بعضًا، وكان يطلب من كل شخص عدم الحديث مع الآخرين عن طبيعة التعامل أو قيمة الأموال التي سلمها له، ووفق روايات الضحايا، كان يتم تبرير هذه السرية بالحفاظ على طبيعة النشاط التجاري وعدم كشف تفاصيله للمنافسين، إلا أن هذه الطريقة ساهمت في عدم معرفة المتعاملين بالحجم الحقيقي للأموال التي تم جمعها، قبل أن تتوقف العوائد وتتوالى المفاجآت.
عشرات الضحايا.. وأغلبهم من المدرسين
وبمرور الوقت، توقف المتهم عن دفع العوائد، ثم انقطع عن التواصل مع عدد من المتعاملين معه، وأغلق هواتفه واختفى عن الأنظار، لتبدأ بعدها رحلة البحث عنه وتحرير البلاغات الرسمية، وكشف المحاميان كريم النقيب وإبراهيم العرابي، الموكلان عن عدد من ضحايا الواقعة، عن تطورات جديدة في ملف البلاغات.
وأوضحا لـ “الرأي العام” إن عدد الضحايا الذين يتوليا الدفاع عنهم بلغ حتى الآن 48 ضحية، فيما تجاوز إجمالي المبالغ التي تم حصرها في البلاغات والمستندات المقدمة حتى الآن 115 مليون جنيه، مع استمرار حصر باقي الضحايا والمبالغ التي لم تدخل بعد ضمن الحصر النهائي.
وأوضح المحامي كريم النقيب، أن أغلب الضحايا، وفق ما تلقاه من موكليه، من زملاء المتهم المدرسين، وهو ما يعكس الدور الذي لعبته علاقة العمل والثقة السابقة في دخول الضحايا إلى هذه التعاملات المالية، وأشار إلى أن الحصر الحالي لا يمثل بالضرورة الرقم النهائي، في ظل استمرار تقدم متضررين جدد ببلاغات وتوكيلات، وقيام جهات التحقيق بفحص المستندات وأقوال أصحاب البلاغات للوصول إلى القيمة الدقيقة للمبالغ محل الواقعة.
ضحية واحدة سلمته 10 ملايين و500 ألف جنيه
ومن أبرز الوقائع التي كشف عنها محامو الضحايا، أن أحد المجني عليهم أدلى بأقواله أمام المستشار محمد حمدي، مدير نيابة زفتى، وأفاد بأنه سلم المتهم مبلغًا وصل إلى 10 ملايين و500 ألف جنيه على مدار نحو ثلاث سنوات، وبحسب رواية الضحية، فإن المبلغ لم يُسلم دفعة واحدة، وإنما على مراحل، في ظل انتظام المتهم في صرف عوائد شهرية خلال فترات سابقة، وهو ما شجعه على الاستمرار في التعامل معه وزيادة قيمة الأموال المسلمة إليه.
وأضاف محامو الضحايا أن العوائد التي كان يعرضها المتهم كانت، وفق أقوال المتضررين، مرتفعة بصورة تفوق العائد المعتاد من التعاملات البنكية، وهو ما ساعد في جذب المزيد من الأموال واستمرار التعامل لفترات طويلة.
وأضاف إبراهيم العرابي المحامي، أنه منذ بداية ظهور الواقعة، تباينت تقديرات حجم الأموال التي جمعها المتهم، إذ تحدثت روايات أولية عن مبالغ تتراوح بين 80 و100 مليون جنيه، بينما أظهرت المستندات والبلاغات التي تم حصرها من جانب محامي عدد من الضحايا وصول المبلغ إلى أكثر من 115 مليون جنيه حتى الآن، ويعكس هذا التباين أن الرقم النهائي لم يتم حسمه بعد، وأن تقديرات المبالغ ستظل مرتبطة بما يثبت رسميًا أمام جهات التحقيق من تحويلات وإيصالات ومستندات وأقوال ضحايا، ومن المنتظر أن تكشف التحقيقات خلال الفترة المقبلة الرقم النهائي لعدد المجني عليهم، وقيمة الأموال التي تسلمها المتهم، وما إذا كانت جميع المبالغ مرتبطة بالنشاط الذي كان يعلنه للضحايا أم أن هناك معاملات أخرى تحتاج إلى الفحص.
النهاية في مطار سفنكس
وبعد تصاعد البلاغات وتحرك الأجهزة الأمنية لفحص الواقعة، تمكنت الأجهزة المختصة من ضبط المتهم داخل مطار سفنكس الدولي أثناء محاولته مغادرة البلاد، وجاءت عملية الضبط قبل تمكنه من استقلال الطائرة ومغادرة البلاد، بعد أن كانت الأجهزة الأمنية قد بدأت فحص البلاغات والتحريات الخاصة بالواقعة، ووجهت النيابة العامة بفتح تحقيق في البلاغات المقدمة، وسماع أقوال الضحايا، وفحص المستندات والتعاملات المالية، والوقوف على مصادر تشغيل الأموال محل الاتهامات، واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة، ومع ضبط المتهم.
انتقلت القضية إلى جهات التحقيق ومن المنتظر أن يتم مواجهة المتهم بأقوال أصحاب البلاغات والمستندات المقدمة منهم، وخاصة مع استمرار ظهور ضحايا جدد وتقديم محاضر وبلاغات جديدة، بالتزامن مع مطالبة محامي المتضررين بضم جميع البلاغات إلى ملف التحقيق وفحص قيمة الأموال التي سلمها كل ضحية للمتهم، كما دعا عدد من المتضررين كل من تعامل مع المتهم وسلمه أموالًا ولم يحصل على مستحقاته إلى التوجه إلى قسم شرطة زفتي أو مباحث الأموال العامة أو النيابة العامة بزفتي أو نيابة الأموال العامة بطنطا وتقديم بلاغ رسمي، حتى يمكن حصر جميع المتضررين بصورة دقيقة.
شائعات تلاحق القضية.. ومحام المتهم: التحقيقات وحدها تحسم الحقيقة
ومع انتشار الواقعة على نطاق واسع بين أهالي زفتى، ظهرت بالتوازي مع القضية روايات وشائعات أخرى جرى تداولها عبر مواقع التواصل الاجتماعي بشأن المتهم وحياته الخاصة وبعض الوقائع المرتبطة به ومن بين ما تم تداوله اتهامات تتعلق بتجارة مواد مخدرة وادعاءات بشأن وفاة زوجته، مع مطالبات من بعض المتضررين أو المتابعين باستخراج جثمانها وإعادة فحص الواقعة.
وقال محمد عويس محامي المتهم، أن هذه الادعاءات والإتهامات لم يثبتها، محذرًا من التعامل معها باعتبارها حقائق أو ربطها بالقضية المالية قبل صدور نتائج رسمية من جهات التحقيق.
وأضاف محامي المتهم، تبقى النيابة العامة هي الجهة صاحبة الاختصاص في تحديد الوقائع التي ثبتت بالأدلة، وتحديد الاتهامات التي يمكن إسنادها إلى أي شخص، بعيدًا عن الروايات المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي.