نعم.. انطلاقًا من واجب وطني يتعين الاعتراف بأن لدينا أزمة طالت كل المجتمع، مؤداها انعزال المسؤولين عن المواطنين وتركهم "يخبطوا دماغهم في الحيط"، وعدم التناغم مع مشكلاتهم، مما تسبب في تنامي الاحتقان. ليس هذا من قبيل التخمين، بل هو واقع أدركه عن قرب وأكده بمنتهى الشفافية الدكتور مصطفى مدبولي رئيس الوزراء؛ لذا كان من الذكاء عندما أدرك هذا الخلل الذي خلّف تلك الحالة من الغضب لدى عموم المواطنين لعدم تجاوب المسؤولين مع همومهم ومشاكلهم—حتى الذين يتقدمون بشكاوى رسمية بشأنها—أن طالب جميع الوزارات والمحافظات والأجهزة الحكومية بضرورة التفاعل السريع، والتكامل المؤسسي مع شكاوى المواطنين، والعمل على سرعة ودقة معالجتها وتقويض أسبابها، مؤكدًا على أهمية تنويع قنوات التواصل المباشر ورفع كفاءة منظومة الشكاوى الحكومية، وإلزام الوزارات والمحافظات بالعمل بروح الفريق الواحد لسرعة حل المشكلات، والاستمرار في تنويع وتطوير آليات تلقي استفسارات وطلبات المواطنين، والتركيز على تقليل أسباب الشكاوى لتحسين مستوى الخدمات العامة المقدمة.
كما توقفت كثيرًا بالدراسة والتحليل أمام مضامين كلمات الكاتب الصحفي النائب مصطفى بكري والتي حذر فيها بشدة من دعوات التظاهر وإثارة الفوضى، مؤكدًا عبر برنامج "حقائق وأسرار" المذاع على قناة صدى البلد أن خروج الأمور عن السيطرة سيؤدي إلى دمار شامل يصل لكل البيوت، ويفتح الباب أمام أعمال التخريب والانفلات الأمني، كما كشف النقاب عن أن هناك أطرافًا وجهات تسعى لاستغلال الأزمات والظروف الاقتصادية الصعبة للمواطنين لدفعهم نحو الفوضى، محذرًا من أن أي أعمال تخريب ستسمح للعناصر الإجرامية والبلطجية بالسيطرة على الشوارع وتهديد أمن الممتلكات والمنازل، ومشددًا على ضرورة الوعي المجتمعي والاصطفاف خلف مؤسسات الدولة لمواجهة المخططات التي تستهدف أمن واستقرار البلاد.
ولعل هذا المناخ العام الملتبس فرصة نرسخ فيها ثوابتنا الوطنية التي استقرت في وجداني، واحتوى مضامينها كياني، ولم يعد يدركها كثيرون على خلفية تنامي المظالم لديهم، وتجاهل المسؤولين لها؛ والتي من أهمها أن الوطن هو الكيان، هو الأمان، هو الملاذ والاستقرار، فيه ولدنا، وعلى أرضه تربينا، ويواري ترابه أجسادنا، لذا لا مزايدة عليه، ولا اقتراب من مقدراته، ومن يفعل ذلك يكون منزوع الوطنية، فاقد الأهلية، لا قيمة لوجوده بالحياة. وأرى من الأهمية بمكان استدعاء تلك الثوابت انطلاقًا من الواجب الوطني وتأثرًا بما يحدث في المجتمع انطلاقًا من مفاهيم مغلوطة ونفوس خربة، ويبقى على أجهزة الدولة احتضان المواطن البسيط كما فعل رئيس الوزراء، والتناغم مع قضاياه ورفع الظلم عنه.
بوضوح.. نحن أبناء الطبقة المتوسطة التي باتت معدمة، نحن القابعين في أعماق ريفه، نحافظ عليه بكل ما نملك لأننا المكون الحقيقي للمجتمع، وليس لنا وطن غيره، فلسنا من أصحاب الملايين الذين يمكن لهم عند مغادرته أن يعيشوا في أوروبا، إنما إذا أردنا الفرار منه أو مغادرته هروبًا من عبث العابثين فليس أمامنا إلا البحر نلقي فيه أجسادنا لننال أجلنا المحتوم. تلك حقيقة يقينية وليس طرحًا على سبيل المجاز؛ لأنه أي البلدان المجاورة تصلح لنغادر إليها وطنًا بديلاً؟ السودان التي دُمرت عن آخرها على أيدي أبنائها الذين عبث بهم العابثون فجعلوا منهم أداة لتدمير وطنهم؟ أم ليبيا التي سحقتها الميليشيات ودمرتها الصراعات والأهواء والتناطحات؟ أم غزة رمز العزة التي يريد الصهاينة الملاعين أن يجعلوها مقبرة لأهلها العظماء؟
فلنتبه جندًا.. وطننا غالٍ وعظيم، لذا أتمنى أن يعي عقلاء هذا الوطن—وهم كثير بفضل الله تعالى—تلك الرسالة، وليُدركوا أنها فضفضة محب لهذا الوطن عاشق لترابه، يتمنى له أن يكون في عليين مكانًا ومكانة وشأنًا. أطلقتها كوني إنسانًا بدرجة خادم للناس، ليس انطلاقًا من مسؤوليات نيابية سبق وأن تشرفت بتحملها قبل أن أزهد فيها بعد أن طالها الهزل ولم يعد منطلقها الإرادة الشعبية الحقيقية، إنما حسبة لله تعالى وابتغاء مرضاته ونيل رضاه سبحانه، أجرًا نبتغيه وما أعظمه من أجر! وكسياسيٍّ ينتمي للمعارضة الوطنية الشريفة والنظيفة حيث الوفد في زمن الشموخ، وإعلاءً للإرادة الوطنية، ورفضًا للعبث الذي يدفع في طريق تسفيه كل شيء وأي شيء، والبحث عن سقطة للحكومة؛ لذا أصبحت علاقتي بالسياسة علاقة المتفرج الحزين تأثرًا بمشهد عبثي بامتياز بعد أن زاد الخبل، وتقزم فكر الساسة قبل أن يتجمد الأداء، وكذلك توقفت عن الممارسة الحزبية ذاتها بعد أن فقد كثيرون فيها الحاضنة الشعبية وباتت تحدد معالمها السلطة.
خلاصة القول يا أبناء الوطن: نعم، جميعنا نعاني في هذه الحياة، لكننا لا يجب أن نسمح لأي أحد أن يستغل تلك المعاناة لاستخدامنا فيما يضر بالوطن.. انتبهوا لهذا المخطط الإجرامي الذي يستهدف هذا الوطن الغالي.. يا كل البشر إلا الوطن؛ لأن النيل منه خطيئة ولو بالسوء من القول، وتحقيره خيانة ولو بإطلاق الشائعات.. تلك قناعاتي وما ترسخ في يقيني وضميري، ومن يعتبر ذلك نفاقًا فما أعظمه من نفاق! ومن يراه تطبيلًا فما أروع أن يطبل الإنسان لتستقيم الأمور بين أبناء الوطن!
يبقى السؤال: هل معنى ذلك الصمت أمام ما يحدث من هزل وما نتعايشه من تدنٍّ؟ بالقطع لا، شريطة أن تكون المعالجة ممزوجة برؤية الوطنية وليس عبر التهييج والتسفيه، وليبقَ الأمل قائمًا في قدرتنا على أن نلملم شتات أنفسنا، ونضبط إيقاع هذا الهزل الحادث بالمجتمع، ونعيد الثقة إلى نفوسنا، وننتبه لمن يدفعون بالوطن الغالي دفعًا في طريق فرض التقزيم عليه ونعته بالسخافات بحسن أو بسوء نية.. نعم نستطيع! من خلال طرح مواطن الخلل بصدق وصراحة ووضوح وشفافية، وكشف العوار الذي أراد البعض فرضه بغباء شديد كحقائق يقينية.