هناك سؤال نطرحه على أنفسنا غالبًا بعد أن تُخيّب توقعاتنا في أشخاص قدمنا لهم معروفًا، فقوبل ذلك بنكران الجميل والجحود: هل يكون هذا مبررًا لأن نكره فعل المعروف؟ وهل يجعلنا جحود الآخرين نتوقف عن مد يد العون؟
الحقيقة أن كل إنسان يتصرف وفق ثقافته ودينه واحترامه لنفسه، وما تعلمه من قيم وأخلاقيات، فإن كان الدين عقيدة وشريعة، فهو أيضًا أخلاق وحضارة وسلوك راقٍ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق».
وقيل : «اصنع المعروف إلى أهله وإلى غير أهله، فإن أصبت أهله فهو أهله، وإن لم تصب أهله فأنت أهله»،فالخير لا يفقد قيمته لأن من وصل إليه لم يعرف قدره، ولا تصبح الفضيلة مذمومة لأن بعض الناس قابلها بالجحود.فلا تجعل موقفًا مؤلمًا يغيّر طبيعتك الجميلة، ولا تجعل إنسانًا جاحدًا يقنعك بأن الخير لا يستحق أن يُفعل أنت فعلت ما يمليه عليك ضميرك ومروءتك، وأديت ما استطعت من واجب إنساني وأخلاقي، أما رد فعل الآخر فمسؤوليته هو.
اتركه وشأنه، وربما لا يستحق منك أن تظل تفكر في صنيعه. لا تنتظر دائمًا كلمة شكر، ولا تجعل تقدير الناس هو المقابل الوحيد لما تقدمه؛ فهناك أعمال عظيمة لا يراها الناس، لكن الله يراها ويعلم أصحابها ونياتهم،وقد يختار بعض الناس طريقًا آخر، فيقابلون الإحسان بالإساءة، والوفاء بالجحود، والنصيحة بالصد، وقد يغلق الإنسان على نفسه أبوابًا من الخير حتى لا يعود يرى جمال الطاعة وحلاوة الإحسان. لكن ذلك لا ينبغي أن يكون سببًا في أن نتخلى نحن عن قيمنا.
افعل الخير لأنك أهل للخير، لا لأن الآخرين أهل له يقول الله تعالى:﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ولم يقل سبحانه: افعلوا الخير إذا شكركم الناس، أو إذا ردوا لكم الجميل، وإنما قال: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾؛ لأن الخير في ذاته عبادة، والعطاء في ذاته قيمة، والإحسان لا ينبغي أن يكون صفقة ننتظر مقابلها.
وكم من معروف ظن صاحبه أنه ضاع، ثم عاد إليه في صورة لم يتوقعها، وكم من كلمة طيبة تركت أثرًا في قلب إنسان دون أن نعلم، وكم من يد امتدت بالعون في لحظة ضيق كانت سببًا في أن يستعيد إنسان ثقته بالحياة.
لذلك لا تندم على خير فعلته، حتى لو فعلته في غير أهله. ولا تقل: لن أفعل الخير مرة أخرى. فقط تعلّم أن تكون أكثر حكمة، وأن تعرف لمن تعطي ثقتك، ولمن تمنح وقتك، وكيف تساعد الآخرين دون أن تسمح لأحد باستغلال طيبتك.
فالطيبة ليست سذاجة، والعطاء ليس ضعفًا، والتسامح ليس عجزًا، ولكن الحكمة أن تضع كل شيء في موضعه.
افعل الخير، ثم امضِ في طريقك،لا تنتظر تصفيقًا، ولا تطارد شكرًا، ولا تحزن إن أنكر أحدهم جميلك؛ يكفيك أنك لم تخسر نفسك، وأنك لم تسمح لجحود إنسان أن يحول قلبك إلى نسخة منه.
فربما كان المعروف الذي ظننته ضائعًا عند إنسان، محفوظًا عند الله،وما أجمل أن يبقى الإنسان قادرًا على الخير، رغم كل ما رأى من جحود، وأن يقول لنفسه كلما خذله أحدهم:
أنا لا أفعل الخير لأن الناس يستحقونه دائمًا، بل أفعله لأن الخير يستحق أن يبقى في هذا العالم.