أنحاز منذ زمن بعيد بكل كياني لطب طنطا؛ قياداتٍ، وطلابًا، وأطباءَ. وقد رسّخ هذا الانحيازَ مسيرةٌ من العطاء في خدمة أسيادي المرضى؛ بدأت مع الدكتور عبد الحي مشهور—رائد جراحة العظام في مصر، ورئيس جامعة طنطا الأسبق، ومؤسس قسم جراحة العظام بطب طنطا رحمه الله—عندما أرسلني إليه في الثمانينيات، في بداية عملي الصحفي، أستاذي الجليل الكاتب الصحفي الكبير والمؤرخ العظيم جمال بدوي رئيس تحرير جريدة الوفد رحمه الله، برفقة أحد مرضى بلدي "بسيون"، حيث أجرى له الدكتور عبد الحي مشهور العملية بنفسه. وانتهاءً بالخلوق المحترم الدكتور محمد حنتيرة عميد طب طنطا، مرورًا بالأكارم الفضلاء أصدقائي الأعزاء: الدكتور محمد شفيق نائب رئيس جامعة طنطا، والعمداء: الدكتور فؤاد هراس، والدكتور أيمن السعيد، وعميد العمداء الدكتور أحمد غنيم.
حالةٌ من الارتياح ممزوجةٌ بالسعادة إنتابتني تأثرًا بتلك الروح الرائعة التي عايشتها أثناء حضوري بالأمس المؤتمر الـ41 لطب طنطا، الذي يتواكب مع الاحتفال بمرور 75 عامًا على إنشاء الكلية بالقاعة الرئيسية؛ يتخللها تأصيل الوفاء بتكريم الدكتور كمال عكاشة نائب رئيس جامعة طنطا رحمه الله، وما لقيه من دعواتٍ حتى إنسابت الدموع من عينيَّ تأثرًا بهذا المشهد الإنساني. ومرجع ذلك أن تلك الأجواء الطيبة أصبحت مفقودةً بنسبة كبيرة في كل المواقع الوظيفية والمحافل العلمية؛ وهي روح المحبة، والتقدير، والتوقير، والتمسك بالعمل في إطار الأسرة الواحدة، والفريق الواحد، تحت قيادة العالم الجليل الدكتور محمد حسين رئيس جامعة طنطا، الرجل الهادئ المحترم، المتمكن والواثق من نفسه، لأن خطواته تتسم بالشفافية والتمسك بتحقيق النجاح، يعاونه نوابٌ أفاضل لهم تاريخٌ مشرف: الدكتور حاتم أمين، والدكتور السيد العجوز. ويرسخ هذا النهجَ الدكتورُ محمد حنتيرة عميد طب طنطا، الذي ينطلق بسرعة الصاروخ لتسجيل العصر الذهبي لطب طنطا على يديه، وتأصيل الوفاء وجعله منهج حياة.
امتزج القرب من طب طنطا ومستشفياتها ما بين كوني مواطنًا من الغربية فخورًا بتلك المنظومة وقادتها، ونائبًا بالبرلمان اقترب من التفاصيل، وقبل ذلك—وإلى اليوم—كاتبًا صحفيًا مهمومًا بأبناء بلدي "بسيون" من أسيادي المرضى. فرض كل ذلك التواجدَ الدائم بالمستشفيات ومعرفة أدق التفاصيل، إلى الدرجة التي ظن فيها من لا يعرفني من الأطباء والتمريض أنني طبيب.
هذا القرب جعل اليقين مستقرًا بأن جميع من بالمنظومة الطبية بجامعة طنطا—قيادات وأطباء—من خيرة الناس؛ فطب طنطا نبع الشموخ الذي تجلى في التصفيق الحاد والمستمر لعميدها السابق الدكتور أحمد غنيم، النموذج الفخر للأطباء، والذي يزدان المنصبُ بمجرد ذكر اسمه أنه شغله في يوم من الأيام. ووكلاؤها الأفاضل: الدكتور لؤي الأحول، والدكتور محمد جابر، والدكتور محمد البديوي، العلماء الكبار، إلى الدرجة التي معها قلت بصدق: لو لم تقدم جامعة طنطا للمجتمع غير هذا العطاء الطبي من خلال مستشفياتها الـ17، التي يقودها باقتدار الرائع الدكتور حسن التطاوي المدير التنفيذي لها، لكفاهم ذلك شرفًا وفخرًا؛ يتقدمهم الأجلاء والأبطال: الدكتور محمد سمير مدير المستشفى الفرنساوي الجامعي، والدكتور أحمد سويلم مدير مستشفى الجراحات.
وهنا أذكر للتاريخ أنه شاء القدر منذ أيام أن أتابع أحد أطفال بلدي "بسيون"—شفاه الله وعافاه—والمحجوز بعناية الأطفال بالمستشفى، فوجدت تلك العناية عالمية، نعم عالمية؛ فقد زرت ذات يوم عناية الأطفال بمستشفى برلين بألمانيا في زيارة رسمية، وكان يُفتخر بها، وإذا بهذا المكان بمستشفى الجراحات يفوقه بمرات.
خلاصة القول.. أسجل مرتاح الضمير أن طب طنطا تعني الشموخ والعلم والاحترام، ولا أبالغ إذا قلت إنها رمانة الميزان في مصرنا الحبيبة من الناحية الطبية، وملاذ أسيادنا المرضى في كل ربوع الوطن الغالي، ثقةً في أداء أطبائها من القامات الطبية من الأساتذة الذين يُحتفى بهم كلما تواجدوا في المحافل العلمية، حتى الجدد منهم حديثو التخرج، بعد التراجع الرهيب في أداء مستشفيات كثيرة تأثرًا بقلة الإمكانيات والتراجع في الإنفاق. ولولا تلك المستشفيات لضج المرضى وتعالت دعواتهم لرب العالمين بالرحمة والمغفرة، بل إنها هدية رب العالمين الذي سبّب الأسباب لنجدة أسيادنا المرضى.
لا أقول إنهم بلا أخطاء أو إخفاق، بل إن ذلك طبيعي لأنهم بشر، بل أشهد الله أنه كثيرًا ما أشرنا بأقلامنا كصحفيين إلى مواطن خلل، هو باليقين ناتج عن الأداء الكثيف، وليس عن تقصير وإهمال وترهل في الأداء كما في مستشفيات أخرى كثيرة تابعة للصحة، فيكون التحرك في التو واللحظة والتصويب؛ وليسوا كغيرهم في أماكن طبية كثيرة تسبب قادتها في هذا الإخفاق الذي نراه، لأنهم كأنما يتمسكون بسياسة العناد عندما يُوجَّه إليهم النقد، حتى وصلوا إلى تلك الحالة التي تتطلب المحو الكامل وإعادة البناء من جديد انطلاقًا من بناء الإنسان، وهذا يتطلب التعلم من التجربة العظيمة لطب طنطا ومستشفياتها.