رئيس مجلس الإدارة
شريف عبد الغني
رئيس التحرير
ناصر أبو طاحون
رئيس التحرير التنفيذى
محمد عز
  1. الرئيسية
  2. وجهات نظر

ناصر أبو طاحون يكتب: قناة السويس.. حين يجهل «الكبار» أبجديات الأمن القومي

في سجالات الشأن العام، قد يتفهم المرء إعادة طرح ملفات اقتصادية أو تنموية للنقاش والتحليل، لكن أن يصل الشطط ببعض المحسوبين على النخب والبعض -ممن يحملون شهادات تعصمهم مفترضًا من الخطأ- إلى مطاردة وهم «بيع قناة السويس» أو التفريط فيها تحت أي مسمى، فهنا نكون أمام حالة تستوجب العجب وتستدعي الحزم.. لأن التشكيك أو المداولة في هذه المسألة هو محاولة بائسة لإعادة شرح ما هو معلوم بالضرورة، وتدريس لأبجديات الأمن القومي لمن يُفترض أنهم صُناع رأي أو حملة فكر.

​إن السلوك السياسي والاستراتيجي لدولة بحجم مصر لا يُدار بالمسكنات الوقتية، وكل من يجلس في قلب السلطة أو يعي هيكل الدولة المصرية يعرف يقينًا أن قناة السويس ليست مجرد مرفق اقتصادي يُقاس بدفاتر الحسابات وعوائد الدولار. القناة هي درة التاج في عقيدة الأمن القومي المصري، وركيزة استراتيجية تتجاوز مفهوم المنشآت الخدمية؛ إذ تمثل عمقًا حاميًا للحدود الشرقية، وحجر الزاوية في الملاحة الدولية التي تمنح القاهرة ثقلًا جيوسياسيًا لا يمكن استبداله أو المساومة عليه.

ويبقى ​خطأ هؤلاء المروّجين لخطاب البيع والتفريط كامنا في تعاملهم مع القناة كـ «مجرى مائي شق الصحراء»، بينما الحقيقة التاريخية والجغرافية تؤكد أنها كائن حي ينبض بالسيادة.. كائن سُقي بدماء عشرات الآلاف من المصريين الذين كانت دماؤهم الزكية أول ما سال في قاع القناة قبل أن تجري فيها مياه البحرين.

و​منذ لحظة الافتتاح، مرورًا بمعارك التمصير والعدوان الثلاثي، وصولًا إلى ملحمة العبور في أكتوبر، أصبحت أرواح هؤلاء الضحايا والشهداء ترفرف فوق سمائها، صانعةً حصانة تاريخية وإنسانية تجعل من فكرة التفريط مجرد شطط خيالي لا يقبله واقع ولا منطق.

و​إذا كان الأطفال الصغار في حاجة طبيعية لتعلم أبجديات الجغرافيا والتاريخ، فذاك حقهم على المجتمع ومؤسساته لنشأتهم على المبادئ الوطنية. أما أن نجد من «الكبار»، أصحاب الألقاب والشهادات، من يطرح هذه الطروحات الهشة، فالأمر يضعنا أمام احتمالين لا ثالث لهما.. ​الاحتمال الأول هو الجهل الفاضح بأبجديات الأمن القومي ومقتضيات السيادة الوطنية، وهو عذر أكبر من الذنب لمن يرتدي عباءة الخبير أو الأكاديمي. أما ​الاحتمال الثاني فيتمثل انحراف النوايا وسوء التقدير، وهنا لا تنفع الشهادات ولا تعصم الألقاب أصحابها من الخطأ والشطط.
​وفي كلتا الحالتين، تبقى الحقيقة الثابتة التي ينبغي أن يعيها الجميع: إن للقناة شعبًا يحميها، وعقيدة وطنية راسخة لدى الدولة ومؤسساتها تجعل من مسألة السيادة على قناة السويس خطًا أحمر غير قابل للنقاش أو المساومة، اليوم وغدًا وحتى قيام الساعة.