كل شخص يرسم صورته بنفسه عبر رحلته في الحياة، جاءت فكرة هذا المقال عبر حوار ثري مع الصديق الحبيب الغالي بروفيسور محمد أبو العينين، أستاذ علم الاجتماع وعميد كلية التربية الأسبق بالجامعة الأمريكية في دولة الإمارات العربية المتحدة، حول التحولات العميقة التي يشهدها المجتمع المعاصر، وكيف انتقل الإنسان تدريجيًا من عالم كانت الجماعة ترسم فيه ملامح الفرد، إلى عالم أصبح فيه الفرد مطالبًا بأن يرسم صورته بنفسه. ولم يكن الحوار مجرد نقاش حول تغير أنماط الحياة والعلاقات الاجتماعية، وإنما قاد إلى سؤال أكثر عمقًا: ماذا يحدث للمجتمع والدولة والسياسة عندما تصبح الفردية هي القيمة المركزية في حياة الإنسان؟ في المجتمعات التقليدية كان الفرد يولد داخل شبكة كثيفة من الانتماءات؛ الأسرة، والقبيلة، والحي، والطائفة، والطبقة، والمهنة، وغيرها من الأطر التي تمنحه هوية ومكانة وأدوارًا اجتماعية محددة. أما في العالم الحديث، فقد بدأت هذه الأطر تفقد قدرتها على فرض صورة واحدة للإنسان، وأصبح الفرد أكثر قدرة على إعادة تعريف ذاته، واختيار موقعه الاجتماعي، وصناعة مساره الخاص في الحياة.
ومن هنا يمكن القول إننا نعيش انتقالًا من مجتمع الهوية الموروثة إلى مجتمع الهوية المصنوعة. لم يعد الإنسان بالضرورة هو ما ولد عليه، وإنما أصبح ما اختار أن يكونه. فالمهنة لم تعد قدرًا، ومكان الإقامة لم يعد نهائيًا، وأنماط العلاقات لم تعد محكومة دائمًا بالقواعد التقليدية، وحتى الأفكار والقيم أصبحت موضوعًا للاختيار والمراجعة. وكل شخص تقريبًا أصبح مشروعًا مفتوحًا يعيد تشكيل نفسه عبر رحلته في الحياة. وهذه النقلة تحمل جانبًا تحرريًا بالغ الأهمية؛ لأنها تمنح الإنسان مساحة واسعة للاستقلال والاختيار، لكنها في الوقت ذاته تنقل إليه مسؤولية لم تكن موجودة بهذه القوة من قبل: مسؤولية صناعة الذات. لم يعد المجتمع وحده مسؤولًا عن تحديد مستقبل الفرد، بل أصبح الفرد نفسه مسؤولًا عن نجاحه وإخفاقه، عن صورته ومكانته، وعن قدرته على إثبات ذاته في عالم شديد التنافس. ولذلك فإن الفردية الحديثة لا تعني فقط أن الإنسان أصبح أكثر حرية، وإنما تعني أيضًا أنه أصبح أكثر تعرضًا للقلق؛ لأنه لم يعد يملك أعذارًا اجتماعية جاهزة يفسر بها فشله أو تعثره.
والأكثر أهمية أن هذه الفردية لم تعد محصورة في المجال الاجتماعي، وإنما امتدت بقوة إلى المجال السياسي. فالمواطن المعاصر أصبح أكثر ميلًا إلى النظر إلى السياسة من زاوية تجربته الفردية ومصالحه وحقوقه المباشرة. لم يعد الانتماء السياسي أو الاجتماعي بالضرورة قائمًا على الولاء الطويل لجماعة أو حزب أو طبقة، وإنما أصبح أكثر سيولة وتغيرًا. يستطيع الفرد أن يؤيد قضية اليوم، وينتقدها غدًا، وينتقل إلى موقف آخر بعد ذلك، وفقًا لما يراه متسقًا مع مصالحه أو قناعاته. وهنا تظهر إحدى أهم سمات السياسة المعاصرة: تراجع الولاءات الجماعية الصلبة وصعود المواطن الفرد. وهذا التحول يمكن أن يكون إيجابيًا عندما يعني تحرير الإنسان من التبعية العمياء، لكنه قد يصبح خطرًا عندما يتحول المجتمع السياسي إلى ملايين الأفراد الذين لا يجمعهم سوى المصالح اللحظية، فتضعف القدرة على إنتاج مشروع جماعي طويل المدى.
وتزداد المسألة تعقيدًا مع صعود الفضاء الرقمي ووسائل التواصل الاجتماعي، حيث لم يعد الفرد ينتظر أن تمنحه المؤسسات الاجتماعية والسياسية صورة عن نفسه، بل أصبح قادرًا على صناعة صورته وعرضها أمام العالم. لقد تحولت الذات إلى نوع من "المشروع الإعلامي"؛ يختار الإنسان ما يظهر منه وما يخفيه، ويعيد صياغة قصته، ويقدم نفسه بالطريقة التي يريد أن يراه بها الآخرون. وهنا حدث تحول سياسي بالغ الدلالة: لم تعد السلطة وحدها هي التي تنتج الصور والروايات، وإنما أصبح الفرد نفسه منتجًا للرواية. المواطن يستطيع أن يصور حدثًا، وينشره، ويعلق عليه، ويحشد الآخرين حوله، بل ويمكنه أحيانًا أن يؤثر في أجندة المؤسسات السياسية والإعلامية. وبذلك انتقل جزء من قوة إنتاج المعنى من المؤسسات المركزية إلى الأفراد والشبكات الاجتماعية. غير أن هذه القوة الجديدة تحمل وجهًا آخر؛ فالمجتمع الذي يزداد فيه إنتاج الروايات الفردية قد يصبح أكثر عرضة للاستقطاب، لأن كل فرد يستطيع أن يعيش داخل روايته الخاصة، وأن يبحث عن الآخرين الذين يؤمنون بالرواية نفسها.
وهنا نصل إلى واحدة من أخطر نتائج الفردية المطلقة: تراجع المجال المشترك. فالديمقراطية، في جوهرها، لا تقوم فقط على حرية الفرد، وإنما تحتاج أيضًا إلى وجود مساحة مشتركة يتفق فيها الناس، رغم اختلافاتهم، على مجموعة من القواعد والقيم والمصالح العامة. وإذا أصبحت الحرية تعني أن لكل فرد عالمه الخاص وحقيقته الخاصة ومصلحته الخاصة، فقد يصبح من الصعب إنتاج توافق اجتماعي أو سياسي. وقد نكتشف أن المشكلة المستقبلية ليست في اختلاف الناس، فالاختلاف جزء طبيعي من المجتمع، وإنما في عدم قدرتهم على الاتفاق على الحد الأدنى الذي يسمح لهم بالعيش معًا. وهنا تصبح الدولة أمام مهمة جديدة: كيف تحافظ على حرية الفرد من دون أن تسمح بانهيار التضامن الاجتماعي؟ وكيف تحمي حق الإنسان في الاختلاف، من دون أن يتحول الاختلاف إلى تفكك؟ وكيف تنتج سياسات عامة تراعي ملايين الذوات المختلفة دون أن تفقد فكرة الصالح العام معناها؟
ومن زاوية علم الاجتماع السياسي، فإن التحول نحو الفردية المطلقة يعيد صياغة مفهوم السلطة نفسه. فالسلطة لم تعد تعمل فقط من أعلى إلى أسفل، من الدولة إلى المجتمع، وإنما أصبحت تعمل أيضًا عبر الأفراد والشبكات والمنصات الرقمية. الفرد أصبح قادرًا على ممارسة نفوذ اجتماعي وسياسي يفوق أحيانًا نفوذ مؤسسات تقليدية بأكملها، لكن هذا النفوذ لا يعني بالضرورة امتلاك مشروع سياسي. فقد يستطيع الفرد أن يحشد آلاف الأشخاص حول قضية، لكنه قد لا يستطيع تحويل هذا الحشد إلى مؤسسة مستدامة أو سياسة عامة. ومن هنا فإن المجتمعات الحديثة تواجه معضلة جديدة: قوة فردية متزايدة في مقابل قدرة جماعية قد تكون آخذة في التراجع. وربما يفسر ذلك جانبًا من حالة السيولة السياسية التي نشهدها في كثير من المجتمعات؛ فالمواقف تتغير بسرعة، والتحالفات تتبدل، والجمهور يتحرك وفقًا للأحداث، بينما تتراجع أحيانًا قدرة المؤسسات التقليدية على الاحتفاظ بولاءات طويلة الأمد.
ومع ذلك، لا ينبغي النظر إلى الفردية باعتبارها مرضًا اجتماعيًا يجب التخلص منه، كما لا ينبغي النظر إليها باعتبارها نهاية سعيدة لمسيرة الحرية الإنسانية. الحقيقة أكثر تعقيدًا من ذلك. الفردية هي أحد إنجازات الحداثة الكبرى، لأنها منحت الإنسان حقًا أساسيًا في أن يختار حياته وأن يرفض أن يكون مجرد نسخة مكررة من الآخرين. لكن الفرد لا يستطيع أن يعيش خارج المجتمع، مهما بدا مستقلًا. الإنسان يحتاج إلى الأسرة والأصدقاء والمؤسسات والدولة والثقة والقواعد المشتركة، ويحتاج قبل كل شيء إلى الآخرين الذين يمنحون لحياته معنى يتجاوز ذاته. ولذلك فإن التحدي الحقيقي ليس العودة إلى المجتمع الذي يرسم للفرد صورته مسبقًا، وإنما بناء مجتمع جديد يسمح لكل إنسان بأن يرسم صورته بنفسه، دون أن يمحو صور الآخرين، ودون أن يفقد إحساسه بأنه جزء من لوحة أكبر منه.
ولعل أجمل ما يمكن أن نخرج به من هذا الحوار هو أن كل إنسان يرسم صورته بنفسه عبر رحلته في الحياة، لكن لا أحد يستطيع أن يرسم اللوحة كاملة بمفرده. نحن نعيش زمنًا أصبح فيه الإنسان مؤلفًا لسيرته، ومخرجًا لصورتها، ومسؤولًا عن اختياراته، وهذه بلا شك مساحة هائلة من الحرية. لكن الحرية إذا انفصلت عن المسؤولية تتحول إلى أنانية، والفردية إذا انفصلت عن التضامن تتحول إلى عزلة، والسياسة إذا تحولت إلى مجرد مجموع مصالح فردية تفقد قدرتها على إنتاج المستقبل المشترك. لذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا ليس كيف نوقف الفردية، فهذا مستحيل وغير مرغوب، وإنما كيف نمنحها إطارًا اجتماعيًا وسياسيًا يجعلها مصدرًا للإبداع والحرية، لا سببًا لتفكك المجتمع. ربما يكون مستقبل المجتمعات مرهونًا بقدرتها على الوصول إلى معادلة جديدة: فرد حر يرسم صورته بنفسه، ومجتمع متماسك يسمح للصور المختلفة بأن تجتمع في لوحة واحدة، اللهم بلغت اللهم فاشهد.
بقلم/ د. محمد سيد أحمد