من بين ملايين الكتب التي عرفها البشر يبقى كتاب واحد يختلف عن كل الكتب، إنه القرآن الكريم الذي قال رب العالمين عنه: {وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} [فصلت: 41، 42]
يقف هذا القرآن الكريم في تاريخ البشرية شاخصًا كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء، فهو ليس مجرد كتاب ديني يُتلى في المحاريب، بل هو الدستور الإلهي الخالد الذي أعاد تشكيل العقل المسلم، وبنى حضارة أخرجت الناس من ظلمات الجهل إلى نور العلم، ومن الجور والظلم إلى القسط والعدل، وهدى الفطرة إلى أقوم سيبيل.
وتتجلى عظمة هذا الكتاب في أنه الوثيقة السماوية الوحيدة التي تكفّل الله عز وجل بحفظها بنفسه فقال سبحانه في محكم التنزيل: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: 9].
وهذه الآية الكريمة تقطع الطريق على أي محاولة للتبديل أو التحريف أو التزييف؛ ليظل عطاء القرآن في الناس ما بقي الناس، وليكون القرآن حجة الله الباقية على خلقه إلى قيام الساعة.
ولا يخفى على مؤمن محب أن هذا القرآن فيه من الأسرار والأنوار والبركات ما ينكشف يوما بعد يوم بحسب استعدادات الأجيال وطاقاتها.
ويكفي أن الله جعل هذا القرآن الميزان الذي ينظم حركة الإنسان في حياته، فيشفي الروح من أمراضها، ويداوي القلب من علله، وينظم حركة المجتمعات في سيرها نحو الحضارة.
فمن ناحية الإنسان يبني في قلبه العقيدة الصحيحة المبنية على الحجة والإقناع والنظر والتدبر والتأمل، ويعمل على تحرير عقله من الخرافات والأوهام، ويضع للإنسان تصورا واضحا للكون من حوله ولغايته من الوجود فيه، فيخاطبه بما هو قريب من فهمه وإدراكه فيقول: {أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ * أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ * أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ * أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ * أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [النمل: 60 - 64] في سياق يربطه بما حوله ويصحح في الوقت نفسه إيمانه بخالق هذا الكون بما فيه.
ولأن صاحب القرآن يعلم أن الإنسان عرضة للبلاء جعل قرآنه بلسما لروحه؛ يزيل الاضطراب ويمنح الطمأنينة وسط أزمات الحياة، ويعطي الأمل والرجاء حال اجتماع أسباب اليأس، وقد قال الله تعالى في ذلك: {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [الرعد: 28]، وأي ذكر أعظم من كلام الله؟!
ولضمان صحة سير الإنسان في حياته يضع له سورا حافظا من الأخلاق، بحيث ينتقل الإنسان من نزعات الأهواء إلى معالي الأخلاق من الصدق، والأمانة، والوفاء، والتواضع، والصبر، ومن ذلك قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (90)} [النحل: 90]، وغير ذلك من آيات.
وأما المجتمعات فللقرآن فيها تأثير لو استجابت له لتغيرت مكانتها وصحت وجهتها؛ فقد أقام القرآن للمجتمعات موازين العدل والمساواة، وقضى على الطبقية والتمييز العرقي، وجعل المقياس الوحيد للتفاضل هو التقوى والعمل والصالح، قال تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات: 13].
وحمى اللبنة الأولى التي يتكون منها المجتمع، فنظم العلاقات الأسرية، والمالية، والإنسانية عبر أحكام دقيقة تحظر الظلم، والغش، والربا، والبغي، وفي الوقت نفسه دعا القرآن الكريم البشرية إلى النهضة العلمية بإعمال العقل بالتفكر والتأمل، والبحث، واستكشاف سنن الكون.
ولعظمة هذا الكتاب الكريم وجميل أثره في الأفراد والمجتمعات تكفل الله بحفظه من كل سوء، ولم يكن حفظ الله لكتابه بإجبار الناس على قبوله دون فهم، ولا بجعلهم مذعنين له دون وعي، بل إن بعض مظاهر الحفظ الإلهي لهذا الكتاب لم تكن أمرا غيبيا، وإنما تجسد الحفظ إلى جانب الأسباب المعنوية في أسباب مادية ومؤسسية وحياتية متكاملة ظهرت في دنيا الناس، وتكاتفت لحماية القرآني لفظًا ومعنى.
ومن حفظ الله لكتابه أن جعل الله القرآن الكتاب الوحيد الذي يستطيع الملايين حفظه كاملًا عن ظهر قلب، بل إن البعض يحفظه بسوره وأجزائه وأرقام آياته ومواضعها منه، وهو ما يُعرف بالحفظ في الصدور، أو الحفظ في الذاكرة، أو الصيانة الشفهية التي تضمن تواتره واتصال سنده.
ومن باب الإعانة على هذا الحفظ وسع الله العقل البشري لاستيعاب آيات القرآن بالنبرة والحركة والحرف، قال الله تعالى: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ} [القمر: 17].
ومن صيانة القرآن وحفظه أن نُقل عبر شبكة متصلة من الرواة والأسانيد الصافية، وجُعل له «علم التجويد والقراءات» الذي يحدد مخارج الحروف، ومقادير المدود، وطريقة الأداء، ويبحث في مواطن الوقف والابتداء حرصا على جلاء المعنى.
وإذا كان هذا المظهر من مظاهر حفظ الكتاب يتعلق بالعقول التي لا تنسى والقلوب التي تعي وتحفظ وتفهم، فإن مظهرا آخر من مظاهر الحفظ قد توجه لكتاب الله منذ بداية نزوله، وهو الحفظ بالتدوين والتسجيل والكتابة؛ فالأمة لا تنسى أن حفظ الله للكتاب كما كان في الصدور كان كذلك في السطور، فمنذ عهد النبوة كان للقرآن الكريم كتَّاب يسمون «كتبة الوحي»، وكانت كتابة الوحي منقبة تعد لصاحبها، وتذكر في ترجمته.
وقد حفظ القرآن مسطورا بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في الرقاع والعظم وما تيسر في هذا الوقت إلى أن أذن الله لأبي بكر الصديق بأن يجمعه كله في مكتوب واحد متصل على محضر وإقرار من الصحابة الذين يحفظونه في صدورهم، ثم توج بالجمع العثماني على يد ذي النورين عثمان بن عفان رضي الله عنهم أجمعين.
ثم توالت أعمال الحفظ بالضبط والرسم والشكل والتحزيب وغير ذلك إلى أن وصلنا لعصرنا الحديث وما فيه من أشكال ومظاهر التقنية التي سخرها الله كذلك لخدمة كتابه في شكل تطبيقات ووسائل تعليم وتحفيظ، وغير ذلك.
وبعض الناس قد يرى أن الحفظ يكاد ينحصر في هاتين الصورتين؛ إما حفظ في الصدور أو حفظ في السطور، ولكن من تأمل فهم أن الله تعالى قيّض أمة كاملة سخرت علومها لخدمة القرآن؛ فقد دُوّنت قواعد اللغة العربية والصرف والبلاغة صيانةً للسان القرآني من التغير، وبُنيت علوم الجرح والتعديل على أعلى معايير التوثيق العلمي للتحقق من عدالة وضبط كل من ينقل حرفًا أو تفسيرًا عن النبي ﷺ لصيانة القرآن، وغير ذلك مما تكفلت به الأمة.
وإن الإنسان ليعجب من أقدار الله في حفظ كتابه؛ فإن أحد مظاهر حفظ الله لكتابه الكريم أن تجد أطفال الأعاجم من شتى بقاع الأرض لا يتحدثون العربية ولا يفهمون معانيها، ومع ذلك يتلون القرآن كاملًا عن ظهر قلب مع مراعاة أحكام تجويده ودقة مخارج حروفه، في ظاهرة لا توجد لأي كتاب آخر على وجه الأرض.
وهذا هو الذي أعان على الوقوف في وجه التزييف التقني والتحريف الرقمي للقرآن، فقد شهدت السنوات الأخيرة محاولات لنشر تطبيقات قرآنية محرفة على المتاجر الرقمية تسقط بعض الآيات، إلا أن أفرادًا عاديين اكتشفوا هذه الفروق في أيام معدودة، وصدرت تحذيرات مؤسسية أدت إلى حذفها وحظرها فورًا.
إن تضافر هذه الدلائل التاريخية والمادية والواقعية يؤكد أن قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ هو وعد إلهي صادق تتجدد مظاهره في كل عصر، ليظل القرآن الكريم المصدر الصافي للهداية، والشاهد الخالد على صدق النبوة وحفظ الخالق لكتابه إلى يوم الدين.
ونسأل الله أن يوفقنا أفرادا ومؤسسات للمحافظة على كتابه، وأن يجعلنا ممن يتلونه حق تلاوته، وممن يعملون بأوامره، وممن يحفظون مبناه ومعناه وأحكامه.
د. محمود الهواري، الأمين المساعد للدعوة والإعلام الديني بمجمع البحوث الإسلامية