رئيس مجلس الإدارة
شريف عبد الغني
رئيس التحرير
ناصر أبو طاحون
رئيس التحرير التنفيذى
محمد عز
  1. الرئيسية
  2. وجهات نظر

محمد عز يكتب: عيد الفلاح: سيدي المنسي بين التناقضات والمانشيتات والعناوين

 

​يحتفل المصريون كل عام، في التاسع من سبتمبر، بصدور أول قانون للإصلاح الزراعي (رقم 178 لسنة 1952) بعد ثورة 23 يوليو، والذي قضى على الإقطاع وأعاد توزيع الأراضي على صغار الفلاحين. وكان من حسن الطالع أن يوافق هذا اليوم ذكرى وقفة الزعيم أحمد عرابي الشهيرة في 9 سبتمبر 1881 أمام الخديوي توفيق في ميدان عابدين للمطالبة بحقوق الشعب المصري.

​وما زالت تطالعنا الصحف والمنصات الإلكترونية لتذكرنا بهذا اليوم، مدّعين أنه «عيد الفلاح»، ولا أعلم أي عيد هذا وصاحبه يتلقى واجب العزاء دون سرادق ولا مقرئين، بل صرنا نصلي عليه جميعًا أربع تكبيرات لا ركوع فيها ولا سجود، وهم يدّعون أنهم يحتفلون!

​والفلاح المصري في أرض مصر عبر تاريخها هو صاحب أيادٍ لا تعرف النعومة، لكنها تعرف الوفاء؛ أيادٍ تجعدت كشرايين الطمي القديم، وغاصت في الطين لتنتزع منه الحياة، وتهدينا جميعًا لقمتنا اليومية دون أن تنتظر كلمة شكر واحدة، معتمدةً على تقدير واحد عبّر عنه الحديث الشريف: «هذه يدٌ يحبها الله ورسوله».

​آلاف من السنوات والفلاح المصري يعلمنا أصل الوجود قبل أن تسطر الكتب أبجدياتها، وهو الذي حنى ظهره للأرض كي يستقيم ظهر الوطن، وسكب عرقه نداءً دافئًا للنيل كي يفيض بالخير. كان وما زال الفلاح المصري ليس مجرد مزارع يحرث ويرعى، بل هو الفلسفة الأولى، والوتد الأخير الذي يمسك هذه الخريطة الممتدة من الشمال إلى الجنوب كي لا تذروها الرياح.

​ورغم ما قيل وما يقال عن الفلاح المصري وتضحياته عبر السنوات، ورغم عناوين الصحف والمؤتمرات والندوات، ونقابات الفلاحين الممتدة والعديدة؛ فيا للمرارة التي تسكن قلب الفلاح! صاحب العيد الحقيقي -من وجهة نظر أصحاب السيادة والقرار ومن وجهة نظره هو- ما زال قائمًا في صلاة الجنازة.

​كيف نحتفل بهذا العيد اليوم وصاحب العيد يئن في صمت شفيف لا يسمعه إلا الطمي؟ كيف نلبس ثياب البهجة، و«أبو الجلابية الفلاحي» يجلس على رأس غيطه، يفرك يديه المحروقتين بالشمس، وينظر بعينين كحيلتين يملؤهما الحزن والحيرة؟

​لقد أصبحت أرض الفلاح -تلك التي كانت مصدر عزته ومستقره وقراره وعزوته- عبئًا ينوء به كاهله! كيف لا؟ والأسعار كلها ارتفعت إلا ما يجنيه هو؛ يتلفت حوله فيجد أسعار السماد قد حلّقت في السماء كنسور جائعة، والسولار والمبيدات تلتهم ما في جيبه قبل أن تنبت الحبة، وأسعار العمالة المنعدمة ناطحت عنان السماء. فإذا ما جاء موسم الحصاد -وهو العيد الحقيقي الذي كان ينتظره ليستر بيته ويزوج ابنته ويسد ديونه ورمقه- فوجئ بالفاجعة: أسعار المنتجات الزراعية تتراجع وتهوي إلى القاع، وتترك المحصول حزينًا في أرضه، لا يغطي حتى تكلفة قطفه وحصاده!

​وما محصول الذرة وما حدث فيه ببعيد؛ تراجع سعر فدان الذرة لأقل من 24 ألف جنيه، في حين أن تكلفته تجاوزت أكثر من 30 ألف جنيه، غير تعبه وعرقه وشقائه! ومحصول القطن لا يجد من يسعّره أو يشتريه، ومحصول السمسم لا يجبر تكاليفه؛ حتى أصبح المحصول الصيفي عبئًا كبيرًا على الفلاح لدرجة أنه بدأ يفكر وبجدية في أن يترك أرضه بورًا في موسم الصيف.

​ويسأل الفلاح نفسه في حرقة: كيف يعرق هو وتتفتح أصابعه بالجراح، ثم يأتي السمسار والوسيط ليدفعا له القليل، ويرفعا السعر على المستهلك في المدن إلى الأضعاف؟ وبالتالي: المنتج خاسر، والمستهلك خاسر، والمستفيد الوحيد هو التاجر والوسيط! أي معادلة ظالمة هذه التي تجعل من يزرع هو الوحيد الذي يجوع، ومن ينتج هو الوحيد الذي يغرق في الديون؟ صدقًا، الفلاح غارق في الديون ويئن بين مطرقة غلاء الأسعار ورخص أسعار منتجه دون باقي المنتجات.

​إن الفلاح المصري لم يطلب يومًا رفاهية، ولا يسعى إلى ترف، ولم ولن يتمنى يومًا ما أن يذهب إلى «الساحل الشرير» ولا حتى «الطيب»؛ فهو لم يسمع عنه بعد، ومصيفه الوحيد ما زال في «حوض المكنة». كل ما يرجوه هو «ستر الأرض والعرض»، وأن يجد في نهاية الموسم ما يسد به رمق صغاره، ويسد ديونه، ويحفظ له كرامته التي هي من كرامة مصر كلها.

​في عيدك يا سيدي المنسي بين التناقضات والمانشيتات والعناوين الرنانة، يا صاحب الأيادي الشريفة التي تتوضأ بالطين والعرَق، لا أملك إلا أن أرفع صوتي نيابة عنك، علّ الذين يعتلون المنصات يسمعون أنين الغيطان.

​يا سيدي المسؤول المحتفل بعيد الفلاح: إن حماية الفلاح ليست مجرد واجب اجتماعي، بل هي أمننا القومي الحقيقي؛ فإذا سقط الفلاح وسقطت فأسه، فلن تجد مصر ما تأكله، ولن يسعفنا يومها كل زبد الكلام ومعسوله!