توقعت فرنسا ارتفاع تكلفة خدمة ديونها الوطنية بنسبة 25 في المئة هذا العام؛ لتصل إلى 65 مليار يورو، كأعباء لإجمالي دين بلغ 3.5 تريليون يورو في الربع الأول من العام الجاري، متأثرة بتفاقم الأزمات الجيوسياسية والاضطرابات في أسواق السندات العالمية.
ونقلت صحيفة "فاينانشيال تايمز" عن وزير المالية الفرنسي، رولان ليسكور، قوله:"ننفق اليوم على خدمة الدين أكثر مما ننفقه على تعليم أطفالنا أو الدفاع عن أمتنا".
كما خفض الوزير الفرنسي في تصريحاته أمس الجمعة من توقعات نمو الناتج المحلي الإجمالي لهذا العام إلى 0.5 في المائة، وهو ما يمثل نصف معدل النمو الذي كانت الحكومة الفرنسية قد توقعته عند إعداد مسودة ميزانية عام 2026 في الخريف الماضي.
وفي مؤتمر صحفي، قال ليسكور إنه من المتوقع أن يتعافى النمو ليصل إلى 1 في المئة العام المقبل، لكنه حذر من أن هذا الهدف يفترض تحسن حركة الشحن في مضيق هرمز "خلال الأشهر المقبلة".
وعزا ليسكور خفض توقعات النمو إلى ارتفاع أسعار الطاقة نتيجة التوترات المرتبطة بإيران، وتضرر الإنتاج الزراعي بسبب موجة الجفاف التي شهدها الصيف الماضي، فضلاً عن استمرار حالة عدم اليقين السياسي الناجمة عن الجمود البرلماني قبيل انتخابات رئاسية حاسمة في شهر أبريل.
ودعا المشرعين إلى التحلي بالمسؤولية خلال النقاشات المرتقبة بشأن ميزانية عام 2027، قائلاً: "نحن بحاجة إلى جهد مشترك، ولكن يجب أن يكون جهداً يحافظ على محركات النمو لدينا".
وأقر ليسكور بأن توقعات النمو المنخفضة تعني أن هدف الحكومة المتمثل في خفض عجز الميزانية إلى حوالي 5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي هذا العام أصبح بعيد المنال، وذلك دون تقديم أرقام جديدة للتوقعات، وأضاف أنه من المتوقع أن يصل معدل التضخم إلى 2.1 في المائة هذا العام.
تأتي توقعات فرنسا المعدلة للنمو في أعقاب رفع "البنك المركزي الأوروبي" أسعار الفائدة في منطقة اليورو بمقدار ربع نقطة مئوية لتصل إلى 2.5 في المائة يوم الخميس، في محاولة من صناع السياسات المالية لكبح التضخم في التكتل الذي يضم 21 دولة، وقد سجلت فرنسا معدلات تضخم أقل إذا قورنت بجيرانها، لكنها شهدت أيضاً نمواً أضعف.
وأشارت "فاينانشيال تايمز" إلى أن ثاني أكبر اقتصاد في التكتل الأوروبي شهد ركوداً في الربع الثاني من العام، وذلك في مقابل نمو بنسبة 0.6 في المائة لاقتصاد منطقة اليورو ككل.. في الوقت نفسه، واصل معدل البطالة في فرنسا مساره الصعودي ليصل إلى 8.3 في المائة في الربع الثاني، وهو أعلى مستوى له منذ أواخر عام 2020 إبان جائحة "كوفيد-19".
وقالت" إن مستثمري السندات يطالبون بأسعار فائدة أعلى على السندات الفرنسية لأجل 10 سنوات، ويرجع ذلك جزئياً إلى اعتبارهم فرنسا "عنصراً مثيراً للمتاعب" في أوروبا، نظراً لأن حالة الشلل السياسي تعيق جهود ضبط الأوضاع المالية العامة، وتتزايد المخاوف من أن تؤدي فاتورة خدمة الدين المتصاعدة في فرنسا إلى خلق حلقة مفرغة من تدهور المالية العامة؛ ما يدفع عوائد السندات إلى الارتفاع أكثر".
ومع تفاعل أسواق السندات العالمية هذا الأسبوع مع ارتفاع أسعار النفط والمخاوف المالية، ارتفعت عوائد السندات الفرنسية لأجل 10 سنوات لتصل إلى 4.45 في المئة، صعوداً من 3.22 في المائة في فبراير، مسجلة بذلك أعلى مستوى لها منذ عام 2008.
وكشفت بيانات "مكتب الإحصاء الأوروبي" (يوروستات)، أن إجمالي الدين الحكومي الفرنسي بلغ 3.5 تريليون يورو في نهاية الربع الأول، أي ما يعادل 117.6 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، مقارنة بمتوسط 88.9 في المائة لمنطقة اليورو.
وفي هذا السياق، قال عضو لجنة الاستثمار في شركة إدارة الأصول الفرنسية "كارمينياك"، كيفن ثوزيت: "إن فرنسا تعد الأكثر عرضة للعوامل التي تدفع عوائد السندات للارتفاع" بين أسواق الديون في منطقة اليورو، مشيراً إلى ارتفاع مستويات المديونية، واتساع العجز المالي، ووجود برلمان "يمكن القول إنه الأكثر انقساماً" على حد قوله.
وقد اتسع فارق العائد مقارنة بالسندات الألمانية لأجل 10 سنوات- وهو مؤشر يراقبه المستثمرون عن كثب لقياس مستوى القلق- ليتجاوز 0.9 نقطة مئوية، مسجلاً أوسع نطاق له منذ عام 2012 خلال الأزمة المالية في منطقة اليورو، ليتجاوز بذلك الفوارق المسجلة في دول أخرى تعاني مشاكل مالية.
وصرح محافظ "بنك فرنسا" (المركزي)، إيمانويل مولان: "لا أقول إن فرنسا في خطر، لكنها تمر بوضع مقلق وغير مرضٍ". وأضاف في تصريحات لإذاعة "آر تي إل": "ثمة قلق اليوم لأن هناك أمورا تتطلب المعالجة، ولا سيما المالية العامة وعجز الموازنة".