رئيس مجلس الإدارة
شريف عبد الغني
رئيس التحرير
ناصر أبو طاحون
رئيس التحرير التنفيذى
محمد عز
  1. الرئيسية
  2. وجهات نظر

محمود الشاذلي يكتب: يوماً تمنيت فيه أن تكون علاقتي بالسياسة والبرلمان والأحزاب كعلاقة أهل أوروبا بشعر البحتري

​ذات يوم كانت لي رؤيةٌ بحق مشروع قانون الإجراءات الجنائية، وذلك كبرلماني ينتمي للمعارضة الوطنية الشريفة والنظيفة حيث الوفد في زمن الشموخ، وكاتب صحفي متخصص في الشؤون السياسية والبرلمانية والأحزاب؛ لكن وجدتُ من بث في نفسي الرعب من الأصدقاء خوفاً على شخصي الضعيف، معتبرين ما أطرحه في هذا الشأن نوعاً من التهور غير محمود العواقب، خاصة الساسة منهم، والرفقاء من قيادات حزب الوفد الذي أنتمي إليه، والزملاء الصحفيين. قال لي كلٌّ بطريقته: "لا توجع دماغك"، "لن تغير الكون"، "إهدى أحسن تتفهم غلط"، "شكلك مش عاوز ترجع البرلمان تاني ومش عاوز تجيبها لبر"؛ بل إن زملاء بالبرلمان حذروني في محاولة لتنبيهي إلى أن أجواء الأداء البرلماني الآن مختلفةٌ تماماً عن أجواء الأداء البرلماني الذي تعايشت معه نائباً بالبرلمان.

​أصدقكم القول؛ تملكني الإحباط لفترة، وانتابني إحساسٌ غريبٌ مؤداه أنني أغرد خارج السرب، إلى الدرجة التي معها فكرت ككاتب صحفي يتعين عليه أن يكتب — لأنه لا مهنة لي غير الصحافة — في الكتابة في اللوبيا والفاصوليا والباذنجان، لكن تنبهت إلى أن ما قد أطرحه من تلك الأطعمة قد لا يتوافق مع من لا يتذوقون الطعام، فيُصابون بالضرر، فينالني أيضاً الضرر النفسي. فماذا أفعل وأنا أمتهن الصحافة وليس لي خيارٌ وظيفي ومعيشي في الحياة غيرُها؟ حيث يحظر قانون نقابة الصحفيين رقم 76 لسنة 1970 على الصحفي عضو النقابة الجمع بين مهنة الصحافة وممارسة الأعمال التجارية أو المهن الأخرى؛ لأن في ذلك تعارضاً مع استقلالية وكرامة المهنة ولضمان الحياد والنزاهة، بل إن المادة 66 من قانون نقابة الصحفيين تنص صراحة على حظر الجمع بين العمل الصحفي والأعمال التجارية حفاظاً على استقلالية الصحفي.

​لحظاتٌ من القهر والإحباط عايشتها، إلا أنه لم تمرَّ أيامٌ إلا وتبددت جميعها بفضل الله، ليس لتغيُّرٍ طال قناعات كل من أشفقوا عليَّ وطالبوني بالتريث والإنتباه لواقع الحال وأن الزمن غير الزمن ويتعين أن أعيش هذا الواقع بكل آلامه، إنما لأن الرئيس السيسي انحاز للحقيقة ووجّه برد مشروع قانون الإجراءات الجنائية إلى مجلس النواب لبحث الاعتراضات على عدد من مواد مشروع القانون، استجابةً لمناشدات عديدة لإعادة النظر في بعض مواده المعترض عليها، وذلك باعتبارات الحوكمة والوضوح والواقعية، بما يوجب إعادة دراستها لتحقيق مزيد من الضمانات المقررة لحرمة المسكن، ولحقوق المتهم أمام جهات التحقيق والمحاكمة، وزيادة بدائل الحبس الاحتياطي للحد من اللجوء إليه، وإزالة أي غموض في الصياغة يؤدي إلى تعدد التفسيرات أو وقوع مشاكل عند التطبيق على أرض الواقع، وإتاحة الوقت المناسب أمام الوزارات والجهات المعنية لتنفيذ الآليات والنماذج المستحدثة في مشروع القانون والإلمام بأحكامه ليتم تطبيقها بكل دقة ويسر وصولاً إلى العدالة الناجزة في إطار من الدستور والقانون.

​أصدقكم القول؛ كانت سعادتي بموقف الرئيس لا توصف، ولم يبددها ما تلقيته من تحيات وتدبير واحترام من كل الذين حذروني وأرعبوني وخوفوني وأشعروني أنني وغيري من الساسة والنواب وحملة الأقلام لا شيءَ في هذا المجتمع، ويتعين أن ننبطح حتى تطال رؤوسنا الأرض. هذا الموقف الرائع للرئيس فجر بمنتهى الشفافية — في تقديري — قضيةً غايةً في الأهمية تتمثل في قيمة أن يتم الأخذ بجدية بما تطرحه الصحافة، وأن يكون عضو مجلس النواب قادراً على التشريع، ويكون المجلس نفسه مستعداً لمناقشة كافة التحفظات التي ترد إليه تعظيماً للإرادة الوطنية؛ انطلاقاً من أن سن القوانين يهدف بشكل أساسي إلى تنظيم المجتمع وحماية حقوق الأفراد والمجتمع، وذلك من خلال وضع قواعد سلوكية ملزمة تعزز العدالة والسلام وتمنع الجريمة وتضارب المصالح، كما تسعى القوانين إلى تحقيق المساواة وضمان الوصول إلى العدالة، وبناء مؤسسات قوية وخاضعة للمساءلة في جميع المستويات، ووضع إطار للسلوك العام والممارسات المختلفة لضمان سير الحياة الاجتماعية والاقتصادية، وضمان حقوق الأفراد وحمايتها من أي انتهاكات أو تدخلات، وضمان فض النزاعات بطرق عادلة وموضوعية وتحقيق الإنصاف بين الأفراد، ومنع الجرائم وحماية الأفراد من الأضرار التي قد تلحق بهم نتيجة لأعمال خاطئة، وضمان أن جميع الأفراد والمؤسسات يخضعون لقوانين واضحة وعادلة ويتم تطبيقها بشكل متساوٍ، وإنشاء مؤسسات فعالة وخاضعة للمساءلة تخدم الصالح العام وتدعم استقرار المجتمع، وتوفير آليات قانونية لمواجهة المشكلات المختلفة كالفساد، والجرائم العنيفة، والتحديات الاقتصادية والاجتماعية.

​كان الشكر لرب العالمين سبحانه أن جعلني أزهد في عضوية البرلمان وأتمسك بالرفض القاطع أن أرشح نفسي أو حتى وجود رغبة لدي في العودة للبرلمان ثانيةً حفاظاً على نفسي حتى لا أصاب بالقهر، حيث أعرب مجلس النواب في بيان صادر عنه في مثل تلك الأيام من العام الماضي، عن ترحيبه بالاعتراض الرئاسي، واصفاً إياه بأنه "يمثل أرقى صور ممارسة الصلاحيات الدستورية" ويعكس "وعياً استثنائياً بقدسية العدالة الجنائية وممكانتها في صون السلم العام". وبحسب البيان، يأتي اعتراض الرئيس السيسي حرصاً على أن يقوم البناء التشريعي على أسس متينة من "الوضوح والإحكام والتوازن"، وضماناً لألا تطغى مقتضيات العدالة الناجزة على ضمانات الحرية. وقرر المجلس إعمالاً باللائحة الداخلية المنظمة لأعماله، إدراج مناقشة الاعتراض الرئاسي على رأس جدول أعمال أول جلسة عادية لمجلس النواب بدور الانعقاد العادي السادس، والتي انعقدت يوم الأربعاء الموافق الأول من أكتوبر 2025؛ وأكد البيان أنه تقرر دعوة الدكتور مصطفى مدبولي رئيس مجلس الوزراء للحضور إلى الجلسة للإدلاء ببيان حول أسباب الاعتراض، وتقرر إحالة الاعتراض والبيانات الخاصة به إلى "اللجنة العامة" للمجلس لدراسة المواد محل الاعتراض وأسبابه الدستورية والتشريعية وإعادة النظر فيها، في تأكيدٍ أن هذا الإجراء يهدف إلى ضمان دقة الصياغة التشريعية للقانون الجنائي الجديد، وصون حقوق الإنسان، وترسيخ منظومة عدالة جنائية متكاملة كما جاء بالبيان.

​تأثراً بذلك كله ضربت كفاً بكف وتمنيت لو كانت علاقتي بالسياسة والبرلمان والأحزاب كعلاقة أهل أوروبا بشعر البحتري، وأن أكون مواطناً عادياً من أهالينا الطيبين الذين لا يعرفون أي شيء عن السياسة والبرلمان والأحزاب، أو لديهم ولو ذرة من الفهم تجعلهم يدركون هذا الذي يدور من متناقضات، وذلك لأحافظ على تناغمي النفسي كإنسان؛ وذلك لأنه فور أن قرر الرئيس رد مشروع قانون الإجراءات الجنائية إلى مجلس النواب لإعادة دراسته من أجل تحقيق "الحوكمة والوضوح والواقعية"، وتضمين "مزيد من الضمانات المقررة لحرمة المسكن ولحقوق المتهم أمام جهات التحقيق والمحاكمة، وزيادة بدائل الحبس الاحتياطي للحد من اللجوء إليه، وإزالة أي غموض في الصياغة"، خرج علينا وزير الشؤون القانونية والمجالس النيابية في ذلك الوقت في عدة مداخلات تلفزيونية للإشادة بممارسة الرئيس لصلاحياته في رفض مشروع قانون الإجراءات الجنائية وإعادته للمناقشة، معتبراً أن "اللي قام بيه السيد رئيس الجمهورية — على حد قوله — بيصب في صالح تعزيز حالة حقوق الإنسان ومزيد من الضبط والوضوح وزيادة الضمانات المتعلقة بقانون مهم زي قانون الإجراءات الجنائية"، كما تراجع الوزير عن دعم مشروع القانون بشكله الحالي رغم أنه لطالما رفض مثل هذه التعليقات من جهات مثل خبراء الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، الذين أرسلوا مذكرة للحكومة في نوفمبر 2024، حذروا فيها من أن مواد القانون "قد تتعارض مع التزامات مصر بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان"، وسردوا العديد من الأمثلة على ذلك.

​خلاصة القول.. بمنتهى الأمانة والصدق والموضوعية، من الطبيعي أن يكون الشكر واجباً للرئيس؛ لأنه انحاز للشعب، وبدد الإحباط الذي طال كثيراً وأنا أولهم، والذي مرجعه أنني لا أتصور أنه من المنطق والعقل والحصافة أن يتجاهل النواب ما أكد عليه خالد البلشي نقيب الصحفيين في حينه من أن الاعتراضات تتركز على 41 مادة تخالف الدستور، و44 مادة تحتاج لتعديلات جذرية، مشيراً إلى أن بعض المواد تمثل تهديداً للعمل الصحفي، كما شدد على ضرورة وقف مناقشة المشروع وفتح حوار مجتمعي حوله لضمان الحفاظ على ثقة المواطنين في نظام العدالة. كما عبّر البلشي عن مخاوفه من تأثير القانون الجديد على حرية الصحافة، إذ يتضمن المشروع نصين يمكن استخدامهما لتقييد العمل الصحفي، وهو ما يعارضه بشكل قاطع. تبقى الحقيقة اليقينية التي مؤداها أنه عندما ينحاز الرئيس للشعب نستشعر الأمان، كما كنت أتمنى أن يتم التعامل بجدية مع الاعتراضات التي أبدتها النقابات المهنية والتي جاءت متناغمة مع ما انطلقت منه اعتراضات الرئيس. يتعاظم الألم لأن نفس المديح الذي قيل بحق مواد مشروع القانون قيل بحق الرئيس عندما اعترض على نفس المواد، خاصة وأن الاعتراضات كان منطلقها قانونياً، لكنه الواقع المؤلم الذي يجب تغيير نهجه لترسيخ المصداقية.